في
الأحد 4 جمادى الأول 1439 / 21 يناير 2018

جديد الخطب المكتوبة والرسائل
جديد الكتب
جديد الفتاوى
جديد الصوتيات

الإسراف
02-25-1431 08:11 PM

[TABLE=width:70%;][CELL=filter:;]
الإسراف
الشيخ عبد الله القرعاوي


إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
عباد الله:
اتقوا الله تبارك وتعالى حق التقوى، وتزودوا من الأعمال الصالحة للأخرى، وتأهبوا ليوم العرض الأكبر على الله، احذروا سخطه، وابتعدوا عن أليم عقابه، واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم ترحمون.
عباد الله:
إن حسن الإنفاق وترشيد الاستهلاك والاقتصاد في المعيشة مما أمر الله تعالى به وسنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو سبب لاستقامة الأحوال وتحقيق الأهداف، قال عز وجل: -(وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً)- [الفرقان/67] أي ليسوا بالمبذرين في إنفاقهم فيصرفون فوق الحاجة ولا بخلاء على أهليهم فيقصرون في حقهم فلا يكفونهم، بل عدلاً خيارا وخير الأمور أوسطها لا هذا ولا هذا.
عباد الله:
إن الاقتصاد والتوسط في جميع الأشياء بدنيةً كانت أم نفسية في المطعم والمشرب والملبس والمركب والمسكن والمعيشة، وكل ما يتعلق بالرغبات والآمال التي يسعى المسلم إليها في حياته ومعاشه في مسلك وسط ومنهج عدل، كل ذلك من أقوى وسائل السعادة والراحة والاطمئنان والعيش الحميد في الدنيا والآخرة.
وإن من الأمور التي تهدم اقتصاد الأفراد والجماعات، وتقود إلى الفقر والمجاعات، وتورث الخزي والهوان والندامات الإسراف والتبذير فهو بريد الكذب والنفاق، وسبب الهلاك والدمار والفناء في الدنيا، قال عز وجل: -(وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى)- [طه/127].
فالإسراف من قبائح الذنوب والعادات، وهو شعار من لا يرجون لله وقارا، ولا يحترمون نِعَم الله عز وجل ولا يقدرونها حق قدرها، وهو من الصفات الجالبة لغضب الله ونقمته، ينافي كمال الإيمان ويقود إلى طاعة الشيطان ومعصية الرحمن، يمنع محبة الله عز وجل لما فيه من مشابهة الشيطان، في الإفساد وإضاعة المال الذي به قوام حياة الناس وحفظ معاشهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ: عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَمَنْعًا وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ».
وقال عز وجل: -(وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً*إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً)- [الإسراء/26-27] وقال عز وجل: -(يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)- [الأعراف/31].
وقال أنس ابن مالك رضي الله عنه: أتى رجل من بني تميم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي ذُو مَالٍ كَثِيرٍ وَذُو أَهْلٍ وَوَلَدٍ وَحَاضِرَةٍ فَأَخْبِرْنِي كَيْفَ أُنْفِقُ وَكَيْفَ أَصْنَعُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُخْرِجُ الزَّكَاةَ مِنْ مَالِكَ فَإِنَّهَا طُهْرَةٌ تُطَهِّرُكَ وَتَصِلُ أَقْرِبَاءَكَ وَتَعْرِفُ حَقَّ السَّائِلِ وَالْجَارِ وَالْمِسْكِينِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْلِلْ لِي قَالَ فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا فَقَالَ حَسْبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا أَدَّيْتُ الزَّكَاةَ إِلَى رَسُولِكَ فَقَدْ بَرِئْتُ مِنْهَا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَمْ إِذَا أَدَّيْتَهَا إِلَى رَسُولِي فَقَدْ بَرِئْتَ مِنْهَا فَلَكَ أَجْرُهَا وَإِثْمُهَا عَلَى مَنْ بَدَّلَهَا» روه أحمد والطبراني في الأوسط.
عباد الله:
الإسراف والتبذير داء قتال ينبت أخلاقاً مرذولة تقود المجتمع إلى هوة الدمار والضياع قال عز وجل: -(وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً)- [الإسراء/16].
وانظروا كم في الأمم الماضية المجاورة من بيوت كانت عامرة، وأسراً كانت غنية، فاستسلمت للشهوات وغلب عليها الإسراف والتبذير، ففسدت أحوالها وتلفت أموالها، وتقوضت تلك البيوت، وافتقرت تلك الأسر، فحل النكد واللؤم والندم والحسرة بها ولات ساعة مندم، وإذا وقع الغني في الفقر بعد الغنى تجرع مرارة الهوان وغص بحسرات الندم، وتجلى فيه قول الحق سبحانه: -(وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً)- [الإسراء/29].
قال بعضهم:
إذا كنت في نعمة فارعها
وحطها برعاية رب العباد
فإن المعاصي تزيل النعم
فرب العباد سريع النقم

والإسراف معصية عظيمة من معاصي الجاهلية الأولى التي أُمر المسلمون بالبعد عنها والحذر منها، ومن مشابهتها فقد كانوا ينحرون الإبل ويبذرون أموالهم في الفخر والسمعة والخيلاء، ويسرفون في أنواع من المعاصي والموبقات، التي نهى الله عز وجل المؤمنين عنها جميعا في كتابه وعلى لسان رسوله قال عز وجل: -(وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً*إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً)- [الإسراء/26-27].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالْبَسُوا وَتَصَدَّقُوا من غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ».
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: \"كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك اثنتان سرف أو مخيلة\".
والإسراف: هو مجاوزة الإنسان الحد في كل فعل يفعله وإن كان ذلك في الإنفاق أشهر، وهو التبذير المنهي عنه ويغلط من يظن أن الإسراف إنما هو في المال فقط، بل الإسراف يتناول أمور الإنسان كلها فكل فعل يصدر من الإنسان متجاوزاً فيه الحد والوسط فهو مسرف.
قال عطاء ابن أبي رباح رحمه الله في معنى قوله سبحانه: -(وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)- [الأعراف/31] قال: \"نهوا عن الإسراف في كل شيء\".
وقال إياس ابن معاوية: \"ما جاوزتَ به أمر الله فهو سرف\".
وأعظم أنواع الإسراف خطرا وأشده إثما: الإسراف في الذنوب والعصيان وغشيان المحارم بلا رقيب ولا حسيب ولا رادع ولا خوف من الله عز وجل قال عز وجل: -(وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ*الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ)- [الشعراء/151-152] وقال عز وجل: -(وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)- [يونس/12].
وعلى من أسرفوا على أنفسهم في معصية الله أن يخشوا عقابه ويخافوا سخطه ونقمته وبطشه ويتوبوا إليه ويستغفروه ويلذوا بطاعته قبل فوات الأوان.
عباد الله:
إن الإسراف والتبذير والترف أمراض فتاكة وقد نهانا الله عنها حمايةً لنا ورعايةً لمصلحتنا، فلنحذر منها لتعود لنا قوتنا ورجولتنا، وتبقى لنا أموالنا، ولنعلم جميعا أننا ما خُلقنا في هذه الدنيا لنأكل ونشرب ونعيش كما تعيش البهائم وننعِّم أبداننا ونزخرف بيوتنا، وإنما خُلقنا لنعبد ربنا ونجاهد في سبيله ونصبر ونصابر ونرابط، ما خُلقنا عبثا ولا تُركنا سدى بل تحمَّلنا مسؤولية أبت أن تحملها السماوات والأرض والجبال وأشفقن منها، كيف ينعَم؟ في هذه الدنيا من وراءه موت وقبر وبعث وحساب وميزان وجنة أو نار، كيف ينعم؟ في هذه الدنيا من لا يدري أين يكون مصيره الأبدي، كيف يسرف في مال الله؟ من يعلم أنه محاسب على كثيره وقليله من أين اكتسبه وفيما أنفقه.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
عباد الله:
اتقوا الله تعالى، واعلموا أن مما يجب المحافظة عليه، وتجنب الإسراف فيه الماء، فإن الإسراف في الماء ينافي شكر الله على هذه النعمة، ويعرضنا لغضب الله والله تعالى قد توعد من عصاه بإذهابه الماء، قال عز وجل: -(وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ)- [المؤمنون/18] أو بجعله أجاجاً لا يصلح للشرب، وهذا من أنواع العذاب لمن تدبره يقول الله عز وجل: -(أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ*أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ*لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ)- [الواقعة/68-70] ويقول عز وجل: -(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاء مَّعِينٍ)- [الملك/30].
فالواجب علينا أن نشكر الله على هذه النعمة العظيمة، وأن لا نسرف فيها بل نحافظ عليها ويكون ذلك عن احتساب من أنفسنا طاعةً لله عز وجل وطاعةً لرسوله صلى الله عليه وسلم، قال صلى الله عليه وسلم: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالْبَسُوا وَتَصَدَّقُوا من غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ».
بل إن من الأمور التي شرع لنا فيها استعمال الماء ومنها أيضاً بالاقتصاد فيها فقد جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الوضوء فأراه الوضوء ثلاثاً ثلاثا ثم قال: «هَذَا الْوُضُوءُ فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ».
والنبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد والمد هو ملء الكفين المتوسطين.
فاتقوا الله عباد الله:
وامتثلوا قول الله عز وجل: -(يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)- [الأعراف/31].
عباد الله:
-(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)- [الأحزاب/56].
وأكثروا عليه من الصلاة يعظم لكم ربكم بها أجرا فقد قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا».
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك نبينا محمد صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين وعن التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، وانصر عبادك الموحدين، واحمِ حوزة الدين.
اللهم وآمنا في دورنا وأوطاننا، وأصلح ووفق ولاة أمورنا، اللهم وأصلح قلوبهم وأعمالهم يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم اغفر لنا، ولآبائنا ولأمهاتنا، ولأولادنا ولأزواجنا، ولجميع المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.
اللهم ادفع عن الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين.
-(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ*وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ*وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)- [الصافات/180-182].
[/CELL][/TABLE]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 9849


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


تقييم
1.64/10 (25 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.