في
الإثنين 11 شوال 1439 / 25 يونيو 2018

جديد الخطب المكتوبة والرسائل
جديد الكتب
جديد الفتاوى
جديد الصوتيات

الخطب المكتوبة والرسائل
الخطب المكتوبة
انظر مم خلقت ولأي شيء خلقت حتى لا تشرك مع الله غيره

انظر مم خلقت ولأي شيء خلقت حتى لا تشرك مع الله غيره
02-27-1431 06:29 PM

انظر مم خلقت ولأي شيء خلقت حتى لا تشرك مع الله غيره

الشـيخ عبد الله القرعـاوي


الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا، ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا، أحمده سبحانه لا إله إلا هو لا أشرك بعبادته أحدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وخاب وخسر المشركون الذين يعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق شاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
عباد الله:
اتقوا الله تعالى، واعلموا أن الشرك بالله تعالى في عبادته أعظم ذنب عصي الله به، لما في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم عند الله قال: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» الحديث.
ولهذا أخبرنا سبحانه أنه لا يغفره فقال عز وجل: -(إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)- [النساء/116].
وأخبر أنه لا أضل من فاعله فقال عز وجل: -(وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ)- [الأحقاف/5] وقال عز وجل: -(وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا)- [النساء/116].
وأخبر سبحانه أن فاعله إذا مات عليه خالدٌ مخلد في النار أبد الآبدين لا نصير له ولا حميم ولا شفيع يطاع قال عز وجل: -(فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ)- [المدثر/48] وقال سبحانه: -(إِنَّهُ ُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ)- [المائدة/72].
وأخبر سبحانه أن فاعل الشرك لو قام لله تعالى بالعبادة قيام السارية ليلا ونهارا ثم أشرك مع الله غيره شركا أكبر لحظة من اللحظات ومات على ذلك فقد حبط عمله كله بتلك اللحظة التي أشرك فيها قال عز وجل: -(ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)- [الأنعام/88] وقال سبحانه: -(لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)- [الزمر/65] وقال سبحانه: -(وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا)- [الفرقان/23].
أيها المسلم: عليك أن تخاف من الشرك وتحذره وتعرف أسبابه ومبادئه وأنواعه لئلا تقع فيه، قال حذيفة رضي الله عنه: «كان الناس يسألون رسول الله عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه» الحديث.
وذلك أن من لم يعرف الشرك قد يأتيه وهو لا يعرف أنه من الشرك، فإما أن يقع فيه وإما أن لا ينكره كما ينكره الذي عرفه، كما قال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: \"إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية\".
ولما ذكر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى المخالف لمعنى لا إله إلا الله ولما دلت عليه وتقتضيه قال رحمه الله: والمخالف في ذلك أنواع فمن الناس:
من عبد الله وحده ولم ينكر الشرك ولم يعادي أهله.
ومنهم من عاداهم ولم يكفرهم.
ومنهم من لم يحب التوحيد ولم يبغضه.
ومنهم من لم يبغض الشرك ولم يحبه.
ومنهم من لم يعرف الشرك ولم ينكره فلم ينفه.
قال الشارح: ولا يكون موحدا إلا من نفى الشرك وتبرأ منه وممن فعله وكفرهم، وبالجهل بالشرك لا يحصل شيء مما دلت عليه لا إله إلا الله. إلى آخر كلامه رحمه الله.
عباد الله:
من عرف أن الشرك الأكبر لا يغفره الله لمن مات عليه وأن فاعله إذا مات على ذلك ولم يتب فإنه خالدٌ مخلد في النار أبد الآبدين ودهر الداهرين، نعوذ بالله من النار من حال أهل النار قال عز وجل: -(لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ)- [فاطر/36] وقال عز وجل: -( كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ)- [النساء/56] وقال عز وجل: -(يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ)- [إبراهيم/17] وقال عز وجل: -(وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ*لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ*أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ*أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ)- [الزخرف/77-80].
من عرف ذلك أوجب له شدة الخوف من هذا الذنب الذي هذا شأنه عند الله، كما خاف من ذلك الخليل على نفسه وبنيه فدعا ربه أن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام قال الله عز وجل: -(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ*رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)- [إبراهيم/36]. قال إبراهيم التيمي: ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم.
فدعا الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام ربه بأن يُجنَّب هو وبنوه عبادة الأصنام، وهذا الدعاء من الخليل يدل على شدة خوفه على نفسه وعلى بنيه أن يعبدوا الأصنام، فنحن أولى بالخوف من الشرك وطلب حسن الخاتمة، فقد كرر الخليل عليه السلام النداء وذكر السبب في طلبه أن يجنَّب هو وبنوه عبادة الأصنام بقوله: -(رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ)- [إبراهيم/36] إذ قد شاهد أباه وقومه يعبدون الأصنام، ومعنى أضللن أي كنَّ سببا في إضلال كثير من الناس.
عباد الله:
كيف يشرك العبد بالله؟ ويدعوا مع الله غيره ويذبح لغيره ويتوكل على غيره؟ وقد خلقه الله وحده ورباه سبحانه وحده قال عز وجل: -(هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)- [آل عمران/6] وقال عز وجل: -(يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ*إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)- [الزمر/6-7].
عباد الله:
على كل إنسان أن ينظر في مراحله، وتاريخ مراحله، لأن الله تعالى أمر بذلك بقوله: -(فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ*خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ)- [الطارق/5-6].
فاعلم أيها الإنسان: أن أول مراحلك تراب بلّه الله تبارك وتعالى بماء فصار ذلك التراب طينا، ثم بعد أن صار طينا نقله الله من طور إلى طور، خُمِّر حتى صار طينا لازبا، وتغيرت ريحه حتى صار حمأً، ثم إنه يبس حتى صار صلصالا، ثم إن الله نفخ فيه الروح وجعله بشرا سويا، خلق منه آدم، جعله ذا جسد ودم ولحم، ثم إنه خلق من ضلعه امرأته حواء، كما قال: -(خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا)- [الزمر/6]، وقال في أول النساء: -(وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا)- [النساء/1] وقال: -(ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا)- [الزمر/6].
وقد خلق حواء من آدم بلا نزاع، كما نصت عليه هذه الآيات القرآنية، ثم بعد ذلك كانت طريق التناسل أيها الإنسان: أن تكون أولا نطفة من منيّ حقيرة مهينة من ماء الرجل وماء المرأة في رحم المرأة، ثم تمكث ما شاء الله وأنت نطفة، ثم يقلب الله هذه النطفة علقة أي دما جامدا إذا صب عليه الماء الحار لم يذب، ثم إن الله يقلب هذا الدم مضغة أي قطعة لحم كما يقطعه آكل اللحم ليمضغه، ثم إن الله يقلب هذه اللحمة هيكل عظام يركَّب بعضها ببعض يركب فيها المفاصل بعضها ببعض والسلميات بعضها ببعض قال عز وجل: -(نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا)- [الإنسان/28].
ثم إنه جل وعلا يكسوا هيكل هذا العظام اللحم، ويجعل فيه العروق، ويفتح فيه العيون والأفواه والآناف، ويجعل الكبد في محلها، والكليتين في محلهما، والطحال في محله، إلى غير ذلك.
ثم ييسر لك طريق الخروج من بطن أمك وهو مكان ضيق، كما قال سبحانه: -(ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ)- [عبس/20] ثم يخرجك إلى الدنيا، هذا وقد جاوزنا جميعا هذه المراحل ونحن في مرحلة الخروج إلى الدنيا، وهذه المرحلة المحطة التي نحن فيها منا من يسافر منها بسرعة ومنا من يمكث فيها -(وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ)- [الحج/5]، ويقال لنا: اعلموا أن السفر طويل وأن الشقة فادحة وأنه لا مكان يؤخذ منه الزاد إلا هذا المكان، فمن لم يتزود من هذه المحطة هلك وانقطع عن القافلة وبقي في بلاء وويل لا ينقطع.
فعلينا أن نتزود من هذه الدنيا التي هي محل الزاد فإن خير الزاد التقوى، فنأخذ من الأعمال الصالحات، فالشقة أمامنا طويلة والسفر بعيد، والسفر لم ينتهي، ثم بعد هذه المحطة ننتقل جميعا إلى محطة القبور، وهي محطة من رحلة الإنسان، وسمع بدوي رجلا يقرأ: -(أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ*حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ)- [التكاثر/1-2] قال: انصرفوا والله من المقابر إلى دار أخرى، لأن الزائر منصرف لا محالة.
ثم إن القبر محطة ومرحلة من هذه المراحل، يخرجنا الله منه جميعا أحياء، نساق ٍإلى أرض المحشر -( ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ)- [الروم/25]، فنساق جميعا من محطة القبر إلى محطة المحشر في عرصات القيامة، ويلقى الناس فيها ما يلاقون من الأهوال والأوجال، ودنو الشمس منهم وإلجام العرق إياهم كما هو معروف، ثم يشفع النبي صلى الله عليه وسلم سيد الخلق الشفاعة الكبرى، فإذا جاء الناس واعتذر لهم آدم واعتذر لهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وجاءوا إليه صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وقال لهم: \"أنا لها\" يعني أن الله وعده بذلك في دار الدنيا حيث قال: -(عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا)- [الإسراء/79] ولكنه صلوات الله وسلامه عليه لشدة علمه بالله وتعظيمه لله يعلم أنه لا شفاعة إلا بإذن الله -(مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ)- [البقرة/255] -(مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ)- [يونس/3] فلا يتجرأ على الشفاعة بسرعة وإنما يسجد لله ويلهمه ربه من المحامد ما لم يلهمه أحدا قبله ولا بعده، ولم يزل كذلك حتى يقول له ربه: «يا محمد ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع»، فيشفع صلى الله عليه وسلم الشفاعة الكبرى، ويظهر في ذلك الوقت فضله صلوات الله وسلامه عليه على جميع من في المحشر من الأنبياء والمرسلين.
كما ظهر فضله عليهم في دار الدنيا لما عرج به من فوق سبع سماوات واجتمع بهم في بيت المقدس، وصلى بجميعهم بأمر من جبريل كما هو معروف بالأحاديث فهو سيدهم في الدنيا وسيدهم في الآخرة صلوات الله وسلامه عليه.
ثم إذا أذن الله في الحساب حاسب الناس، ثم إذا انتهى حسابهم تفرقوا في ذلك الوقت فراقا لا اجتماع بعده وهو قوله تعالى: -(يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا)- [الزلزلة/6] وقوله تعالى: -(مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ)- [الروم/43] ويقول تعالى: -(وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ)- [الروم/14] وهذا التفرق مذهوب به ذات اليمين إلى الجنة ومذهوب به ذات الشمال إلى النار وقد أوضح الله هذا في سورة الروم حيث قال: -(فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ*وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ)- [الروم/15-16].
فيذهب بأهل الجنة إلى الجنة وبأهل النار إلى النار، ويذبح الموت، ويقال يا أهل الجنة خلود فلا موت -من مات على التوحيد- «يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ»-وهم المشركون-.
فحينئذ تنقطع الرحلة وتكون تلك هي المحطة الأخيرة التي لا انتقال منها أبدا إلى محطة أخرى، فأهل الجنة أهل التوحيد في نعيم دائم، وأهل النار وهم المشركون والكفار في عذاب دائم، لن ينتقل هؤلاء إلى منزل آخر ولا هؤلاء إلى منزل آخر -(وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ*الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ كَافِرُونَ*وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ*وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ*وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ*أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ*وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ*الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا)- [الأعراف/44-51].
اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار، اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار، اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله المتعالي عن الأنداد والأضداد، المتنزه عن الصاحبة والأولاد، المطلع على سر القلب وضمير الفؤاد، فسبحانه من إله سمع دبيب النملة السوداء في السواد، وعلم سر القلب وباطن الاعتقاد، أحمده سبحانه على نعم لا أحصي لها تعداد، وأشكره وكل ما شُكر زاد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة صادرة من صميم الفؤاد، أرجو بها النجاة من هول يوم يشيب هوله الأولاد، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:
عباد الله:
اعلموا أن الشرك أظلم الظلم وأبطل الباطل وهو هضم للربوبية وتنقص للألوهية وسوء ظن برب العالمين، وهو أقبح المعاصي لأنه تسوية بالمخلوق الناقص بالخالق الكامل من جميع الوجوه ولأنه مناقض للمقصود للخلق والأمر مناف له من كل وجه وذلك غاية المعاندة لرب العالمين والاستكبار عن طاعته والذل له والانقياد لأوامره الذي لا صلاح للعالم إلا بذلك فمتى خلا منه خرب وقامت القيامة.
فالشرك تشبيه للمخلوق بالخالق عز وجل، وتقدس بخصائص الألوهية من ملك الضر والنفع والعطاء والمنع الذي يوجب التعلق والدعاء والخوف الرجاء والتوكل وأنواع العبادة لله وحده لا شريك له، فمن علّق ذلك لمخلوق فقد شبهه بالخالق وجعل من لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا فضلا عن غيره تشبيها بمن له الخلق كله وله الملك كله وبيده الخير كله وإليه يرجع الأمر كله ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع.
الذي إذا فتح للناس رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم.
وأقبح التشبيه تشبيه العاجز الفقير بالذات بالقادر الغني بالذات، فمن خصائص الإله جل وعلا الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده والتعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة والتوكل والتوبة والاستعانة وغاية الحب مع غاية الذل كل ذلك يجب عقلا وشرعا وفطرة أن يكون لله وحده، ويمتنع عقلا وشرعا وفطرة أن يكون لغيره، فمن فعل شيئا من ذلك لغيره فقد شبه ذلك الغير بمن لا شبيه له ولا مثل له ولا ند له، وذلك أقبح التشبيه فلهذه الأمور وغيرها أخبر سبحانه أنه لا يغفره مع أنه كتب على نفسه الرحمة.
عباد الله:
-(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)- [الأحزاب/56].
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداءك أعداء الدين وانصر عبادك الموحدين واحم حوزة الدين.
اللهم وآمنا في دورنا وأوطاننا وأصلح ووفق ولاة أمورنا.
اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار.
اللهم اغفر لنا، ولآبائنا ولأمهاتنا، ولأولادنا ولأزواجنا، ولجميع المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.
-(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ*وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ*وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)- [الصافات/180-182].

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 7691


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


تقييم
1.01/10 (32 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.