في
الإثنين 11 شوال 1439 / 25 يونيو 2018

جديد الخطب المكتوبة والرسائل
جديد الكتب
جديد الفتاوى
جديد الصوتيات

الخطب المكتوبة والرسائل
الخطب المكتوبة
تغير واصفرار الأجواء وقصة مدين والتوبة إلى الله تعالى

تغير واصفرار الأجواء وقصة مدين والتوبة إلى الله تعالى
02-29-1431 10:05 AM

[TABLE=width:70%;][CELL=filter:;]
تغير واصفرار الأجواء وقصة مدين والتوبة إلى الله تعالى

الشـيخ عبد الله القرعـاوي


الحمد لله الحليم التواب، أحمده سبحانه يقبل التوبة من كل عبد أواب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله أفضل رسول أنزل الله عليه خير كتاب، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
عباد الله:
اتقوا الله تعالى واعلموا أن المجاهرة بالمعصية والاستهتار بعقوبة الزلة إثم عظيم وحوب كبير، يترفع عنهما المؤمنون، ويقدم عليهما كل من ضل عن سواء السبيل، ولقد ذم الله الأمم في العصور الخوالي ممن جاهر الله بالعصيان وأمن مكر الملك الديان، فأخذهم بالعذاب على غرة وهم في غيهم يعمهون.
ثم ذكَّر عباده بمصيرهم ليحذروا مجالب سخط الله ولئلا يصيبهم ما أصاب الأمم قبلهم فقال سبحانه: -(أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ*أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ*أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ)- [الأعراف/97-99]
عباد الله:
ومن الأمم الماضية المعاقَبَة أهل مدين، فقد كان أهل مدين عربا يسكنون أرض معان من أرض الشام، وكانت هذه الأرض مؤمنة صالحة فتغير بها الحال ومرت بها السنون وطال بها الأمد، حتى ظهر الفساد في أهلها وانتشر الشرك في جبلها وسهلها، وأظلمت القلوب واسودت النفوس، وتدنس الناس بدنس المعاصي، وارتموا في أوحال الذنوب والشهوات.
فلما جلّ الخطب وفدح الأمر وعظم الفعل أرسل الله إليهم شعيبا عليه الصلاة والسلام، وآزره بالمعجزات وأيده بالبينات.
فدعاهم أول ما دعاهم إليه، إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ثم حذرهم من الذنوب التي تواطؤ عليها، ونهاهم عن المعاصي التي درجوا عليها، ألفتها نفوسهم وارتضتها قلوبهم حتى أصبحت جزءا من حياتهم، بل أصبح إنكارها هو المنكر، وهي ذنوب مؤذنة بفساد ومعلنة بدمار.
ذكَّرهم بنعم الله عليهم، وحدثهم عن جود المولى وكرمه عليهم، واستمر في الدعوة إلى الله في يسر وترفق، ولين وتلطف، بالكلمة الصادقة والموعظة الحسنة -(قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ*وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ)- [الأعراف/85-86].
عباد الله:
وقد سلك شعيب عليه الصلاة والسلام عددا من الوسائل لدعوتهم والتأثير في نفوسهم وجذب قلوبهم للحق، كل ذلك بنفس مؤمنة وقلب مشفق وفؤاد صادق ونُصح مترفق، فقد ذكَّرهم أولا بالبينة الواضحة من ربه والمعجزة الصادقة على نبوته، ثم تلطف في ندائهم وبين لهم أنه واحد منهم وابن العشيرة المخلص لا يخون عشيرته، فقال: يا قومي ثم ذكَّرهم بوحدانية الله وأنه المتفرد بالعبودية وأنه الواحد الأحد الخالق الرازق المستحق للعبادة وحده دون شريك ثم ذكَّرهم بنعمة الله عليهم إذ كانوا قليلا مستضعفين لا قوة لهم ولا منعة ولا حول ولا طول فكثرهم وقواهم وآزرهم ونصرهم -(وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ)- [الأعراف/86].
ثم ذكرهم بمصارع الأمم السابقة قبلهم وحذرهم أن يصيبهم ما أصابهم -(وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ)- [هود/89].
ثم أمرهم بالاستغفار ودعاهم إلى التوبة وبين لهم أن الله تعالى رحيم ودود وسعت رحمته كل شيء -(وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ)- [هود/90]
فهل نفعت فيهم الدعوة؟ وهل أثمرت فيهم الموعظة؟ وهل أجدت فيهم النصيحة؟ -(قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا)- [الأعراف/88]، هكذا قابلوا دعوة الداعي الناصح والرسول الصادق بردِّ الحق والاستكبار عن قبوله، ودائما الذي يقف في وجه الحق هم المستكبرون والمتغطرسون في كبريائهم وأموالهم وعشائرهم ومناصبهم، ثم يسير الناعقون والغوغاء في ركابهم وقفوا في وجه شعيب واستهزؤوا بقوله وسخروا منه -(قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ)- [هود/87]، هل دعوتك وعبادتك وصلاتك ستكون مهيمنة على أعمالنا وسلوكياتنا؟ وتنهانا أن نعامل الناس كما نحب ونشتهي؟ وندع ما درجنا عليه ونشأنا فيه وكثرت أموالنا من طريقه؟
وهكذا نرى إنكارهم لهيمنة الدين على حياتهم وهو الاستكبار الجاهلي المذموم الذي يتردد في كل زمان ومكان، كما نسمع كثيرا من هذا الدعوات الجاهلية فيقولون:
ما للإسلام وسلوكنا الشخصي؟
ما للإسلام وحرية المرأة ولباسها؟
ما للإسلام وللجنس؟
ما للإسلام وتناول كأس من الخمر لإصلاح المزاج؟
ما للإسلام والعري في اللباس والرقص المختلط في النوادي؟
ما للإسلام والقنوات الفضائية وتلبية جمع الرغبات؟
وما للإسلام والمعاملات الاقتصاديات والربوية؟
ما للإسلام والسياسة؟
وهكذا من أقول الجاهلين المستكبرين المعرضين عن شرع الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
عباد الله:
وقد تحمل شعيب جفوة قومه وصبر على أذاهم وغض الطرف عن سخريتهم واستهزاءهم وتلطف في جدالهم وحاول استمالتهم باللين -(قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)- [هود/88]، فانظر إلى حسن الكلام وجمال الحديث، يدعوهم إلى العقيدة والتوحيد والأدب مع الله ووجوب اللجوء إليه في ثنايا كلامه معهم ونقاشه لهم، فيلمح لهم أن الله هو الذي رزقهم رزقا حسنا وكان الواجب أن يشكروه، ويلفت انتباههم إلى أن التوفيق منحة ربانية من الله جل جلاله، وأن التوكل الحق هو على الله وحده -(وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)- [الطلاق/3]، وأن الإنابة والتوبة يجب أن يبادر بها الإنسان إلى ربه جل وعلا.
فلما وعظهم وأحسن موعظتهم، وجادلهم فأحسن جدالهم، وظهر له فساد اعتقادهم، وبين لهم عاقبة ظلمهم وخوفهم من بأس الله وعذابه وأيد أقواله بالحجة البالغة والآيات البينة والبرهان الساطع، لجئوا إلى المراوغة في القول ومدافعة الحجة بالشتم ورد البينة بالسباب والتمرد على الموعظة بالمغالطة -(قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ)- [هود/91]، يقولون: ليس لكلامك سبيل إلى قلوبنا ولا منفذ إلى عقولنا وأنت مستضعف ذليل ولم يمنعنا من إلحاق الأذى بك إلا مكان عشيرتك وحرمة قبيلتك.
فلما كشر الباطل عن أنيابه وزاد الأمر عن حده، لم يطأطئ شعيب رأسه أمام عزتهم، ولم يضعف أمام قوتهم، بل هب يدعُ باطلهم بالحق ويمحق زورهم بالبينة، وتملكته العزة بنصر الله والثقة بمعية الله لأوليائه، وبين أن رهطه وقبيلته ليسو أرفع قدرا ولا أشد قوة ولا أمنع جانبا من الله جل جلاله، وأنهم لو كانوا يعقلون ما جعلوا القبيلة والعشيرة أعز عندهم وأولى بالمراعاة من الله جل جلاله -(قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا)- [هود/92].
ولم يضعف تهديدهم قوته، ولم يفل وعيدهم عزمه، بل تحداهم ودعاهم إلى أن يبذلوا كل ما يملكون من قوة لإيصال الشر إليه، وأعلن لهم أنه لن يألوا جهدا في سبيل دعوته، فثقته بالله أكيدة وإيمانه راسخ ويقينه جازم، وموعود الله له صادق فقال سبحانه عنه: -(وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ)- [هود/93].
فاستمر القوم في إصرارهم على الكفر وتماديهم في الضلال وسخريتهم بشعيب وأتباعه وتكذيبهم له وتهديدهم بالأذى والرجم والطرد من البلاد وتحديهم لله ولرسوله -(وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ*فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)- [الشعراء/186-187].
فلما أن ضاقت السبل وعظم إصرارهم وكبر جحودهم وتطاولوا على نبيهم وسخروا بأمر ربهم، حلت العقوبة وجاءت النقمة فابتلاهم بالحر الشديد، فكان لا يروي ظمأهم ماء، ولا تمنعهم ظلال، ولا تقيهم المنازل، ففروا هاربين من الحر وخرجوا مسرعين من الجحيم، ولم يعلموا أنهم إنما فروا إلى حتفهم وخرجوا إلى هلاكهم، فقد تجلت لهم سحابة في السماء فظنوها واقية من الشمس دافعة للحر، فاجتمعوا تحتها ليستظلوا بظلها، ويستروحوا فيئها، ويستبشروا بغيثها الهنيء المريء، حتى إذا تكامل عددهم، وتألف جمعهم، رمتهم بشرر وشهب، وأمطرتهم بعذاب وسخط، وجاءتهم صيحة من السماء، وأحسوا الأرض تزلزلت تحت أقدامهم، فاشتد خوفهم وعظم قلقهم، وطاشت عقولهم وذعرت نفوسهم وخفقت قلوبهم، وخارت أقدامهم.
جاءتهم الصيحة وأخذتهم الرجفة، علا صياحهم وضج بكاءهم، وارتفع نحيبهم فدمرت أجسادهم، وزهقت أرواحهم -(فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ)- [هود/67]، -(الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ*فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آَسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ)- [الأعراف/92-93] وقال تعالى: -(فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ*إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ*وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)- [الشعراء/189-191].
فاتقوا الله عباد الله:
وحاسبوا أنفسكم، وتوبوا إلى ربكم، وكونوا على وجل وخوف مما تشاهدونه بين الحين والآخر من تغير واصفرار أجوائكم، ولقد كان صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ». قَالَتْ: وَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَخَرَجَ وَدَخَلَ وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ فَإِذَا مَطَرَتْ سُرِّىَ عَنْهُ فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ. قَالَتْ عَائِشَةُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ «لَعَلَّهُ يَا عَائِشَةُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ: -(فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ)- [الأحقاف/24]». رواه مسلم.
عباد الله:
إن حدوث مثل هذه الأشياء في لحظات مفاجئة مليء بالعبر والعظات والتذكير بقدرة الله الباهرة لها أسبابها الكونية والقدرية، ومع ذلك فلا زلنا نرى في بعض الناس من يكابر ويتغافل ويتجاهل سنن الله الكونية في عباده وأرضه، فإذا سمع بوقوع بلاء أو حادثة نسب ذلك إلى الأسباب الكونية، وغفل عن مسبب الأسباب سبحانه، وأخذ يأمر الناس بأخذ الاحتياطات وتعاطي وسائل السلامة، غافلا عن الالتجاء إلى الله الذي: -(يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ)- [النمل/62].

عباد الله:
إن لكل شيء سببا ولكل حادث قدرا، ولكن الأمر الذي يجب أن لا يغيب عن وعي من هو الذي يملك إيجاد مثل هذه الحوادث في لحظات مفاجئة من غير سابق إنذار أليس هو الله وحده؟ بلى إنه بيده أزمّة الأمور لا إله إلا هو سبحانه فهو الذي يجير ولا يجار عليه، وهل يستطيع العباد بما أوتوا من قوة وعلم أن يمنعوها قبل وقوعها؟ فضلا عن أن يقضوا عليها بعد وجودها.
ويبتلي الله عباده بالضراء. أليس تخويفا لهم وتذكيرا عند الغفلة والإعراض والبعد عن الله؟ فلقد فشت المنكرات وضيعت عند بعض الناس صلاة الفجر، وظهر التبرج والتطاول على شرع الله في أمور المرأة وغيرها، وكثر تعاطي المخدرات والرشوة والربا والغش والتزوير، وارتفعت أصوات المزامير الشيطانية والأغاني الخليعة في بعض البيوت، وعرضت فيها الأفلام الخبيثة عبر بعض القنوات الفاجرة، وكثرت الغيبة والنميمة في مجتمعنا.
فتوبوا إلى ربكم واجتنبوا المعاصي فإنها اجتنابها من أقوى الأسباب لدفع البلاء ورفعه.
عباد الله:
أو ليس الذي أجرى هذه الحوادث بقادر على أن يهلك من على هذه الأرض في لحظات معدودة؟ إذا فلماذا يستنكف العباد عن شرع الله ومنهاجه ويبتعدوا عنه ويأمنوا مكره وعذابه؟ وهو سبحانه مسبب الأسباب ومصرف الأحداث، وكل شيء يجري بتقديره، ومشيئته تنفذ لا مشيئة العباد إلا ما شاء الله، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، -(إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ)- [لقمان/34].


عباد الله:
وإذا أخذتم بأسباب الوقاية أن لا تغفلوا عن التوكل على الله والالتجاء إليه والتوبة والإنابة والرغبة فيما عنده سبحانه وتعالى.
اللهم إنا نستغفرك ونتوب إليك.
اللهم إنا ظلمنا أنفسنا ظلما كثيرا وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لنا مغفرة من عندك وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين. أحمده سبحانه وأشكره. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
عباد الله:
اتقوا الله تعالى، واعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وعليكم الجماعة لأن يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار.
عباد الله:
-(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)- [الأحزاب/56].
وأكثروا عليه من الصلاة يعظم لكم ربكم بها أجرا فقد قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا».
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، وانصر عبادك الموحدين، واحم حوزة الدين.
اللهم وآمنا في دورنا وأوطاننا، وأصلح واحفظ ولاة أمورنا، اللهم وأصلح قلوبهم وأعمالهم وسددهم في أقوالهم وأفعالهم.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
اللهم اغفر لنا، ولآبائنا ولأمهاتنا، ولأولادنا ولأزواجنا، ولجميع المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.
-(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ*وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ*وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)- [الصافات/180-182].
[/CELL][/TABLE]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 5931


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


تقييم
1.01/10 (30 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.