في
الأربعاء 5 ربيع الثاني 1440 / 12 ديسمبر 2018

جديد الخطب المكتوبة والرسائل
جديد الكتب
جديد الفتاوى
جديد الصوتيات

01-09-1429 03:51 PM

خطب الشيخ عبد الله القرعاوي

الحث على الاستقامة


الحمد لله الذي وفق العاملين لطاعته ووجدوا سعيهم مشكورا وحقق آمال الآملين برحمته فمنحهم عطاءا موفورا أحمده على جميع نعمه وأشكره سبحانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد
عباد الله :
اتقوا الله وأطيعوه واعلموا أن الثبات على دين الله وملازمة صراطه المستقيم والمداومة على الطاعة والحذر من الوقوع في المعاصي والمحرمات دليل على صدق الإيمان وسبب لحصول الخيرات وتنزل الرحمة به يحصل اليقين ومرضاة رب العالمين ويجد المسلم حلاوة الإيمان وطمأنينة النفس وراحة البال وبرد اليقين -( أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين )- [الزمر/22] وقال تعالى -( أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون )- [الأنعام/122] إن الثبات على دين الله هو الرجولة الحقه والانتصار العظيم في معركة الطاعات والأهواء والرغبات والشهوات ولذلك فإن الثابتين المستقيمين تتنزل عليهم الملائكة في الحياة الدنيا لتطرد عنهم الخوف والحرن وتبشرهم بالجنة وتعلن وقوفها إلى جانبهم في الدنيا والآخرة -( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون (30) نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون (31) نزلا من غفور رحيم )- [فصلت/30-32] قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: لم يشركوا بالله شيئا ولم يلتفتوا إلى إله غيره ثم استقاموا على أن الله ربهم.
وقال الحسن البصري رحمه الله: استقاموا على أمر الله فعملوا بطاعته واجتنبوا معصيته.
ما أجمل الطاعة إذا أتبعت للطاعة وما أعظم الحسنة وهي تنظم إلى الحسنة لتكون من الأعمال الصالحة التي ترفع العبد إلى الدرجات العلى وتنجيه من النار برحمة الله وفضله وما أتعس المرء وأقل حظه من الإسلام أن يهدم ما بنى ويفسد ما أصلح ويرتد إلى حمأة المعصية وظلمة الكفر بعد أن ذاق لذة الإيمان وحلاوة الطاعة ولقد كان من دعاء المصطفى صلى الله عليه وسلم في صلاته اللهم إني أسئلك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد رواه النسائي وغيره ( )
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم المداومة على الأعمال الصالحة ولو كانت قليلة. سئلت عائشة رضي الله عنها هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يختص من الأيام شيئا قالت: لا ،كان عمله ديمه وأيكم يطيق ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيق متفق عليه ( )
ويقول صلى الله عليه وسلم أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل) ( )
قال الحسن البصري رحمه الله : أبى قوم للمداومة والله ما المؤمن بالذي يعمل الشهر أو الشهرين أو عاما أو عامين لا والله ما جعل لعمل المؤمن أجلا دون الموت ثم قرأ قول الحق سبحانه -( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين )- [الحجر/99]
وإن الثبات على الطاعة ولزوم الصراط المستقيم عزيز وعظيم لا سيما مع فساد الزمان وكثرة المغريات وتتابع الشهوات وكثرة الشبهات وضعف المعين وكثرة الفتن التي أخبر عنها صلى الله عليه وسلم بقوله بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا رواه مسلم ( )والنفس الثابتة على دين الله تحتاج إلى المراقبة التامة والملاحظة الدائمة والأطر على الحق والعدل والبعد عن مواطن الهوى والمجاوزة والطغيان ولأجل هذا فقد أرشد صلى الله عليه وسلم أمته بقوله استقيموا ولن تحصوا رواه مسلم ( )
وبقوله سددوا وقاربوا متفق عليه ( )
والسداد هو حقيقة الاستقامة والثبات وهو الإصابة في جميع الأقوال والأعمال والمقاصد وأعظم من ذلك وأجل قول الله تعالى -( فاستقيموا إليه واستغفروه)- [فصلت/6] ومدار الثبات على دين الله والاستقامة على طاعته على أمرين هما حفظ القلب واللسان فمتى استقاما سائر الأعضاء وصلح الإنسان في سلوكه وحركاته وسكناته ومتى اعوجا وفسدا فسد الإنسان وضلت أعضائه جميعا.


ففي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ( )
وعند الإمام أحمد من حديث أنس ابن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه. ( )
وعند الطبراني أنه صلى الله عليه وسلم قال:لقلب ابن آدم أشد انقلابا من القدر إذا استجمعت غليا. ( )
وإن للثبات على دين الله والاستقامة على شرعه أسبابا فمن ذلك الإيمان الصادق والاعتصام بالكتاب والسنة والتمسك بهما علما وعملا وكثرة العبادة والمداومة على الطاعة والاقتداء بالسنة والحذر من المعاصي والبدع وكثرة الدعاء والإلحاح على الله فيه والمداومة على ذكر الله وعلى المسلم الباحث عن الثبات وأسبابه أن يحرص على مرافقة الصالحين والعلماء الربانيين العاملين والدعاة الصادقين الذين يثبتون الناس عند الفتن ويؤمنونهم في أزمنة الخوف والرهبة ويكثر من مجالستهم فإن ملازمتهم ومجالستهم تزيد الإيمان.
قال أنس ابن مالك رضي الله عنه لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء وما نفضنا عن النبي صلى الله عليه وسلم الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا. ( )
ولا ينسى موقف الصديق أبي بكر رضي الله عنه عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم حين ثبت صابرا محتسبا مذكرا للناس لكتاب الله الذي أخبر عن وفاة رسول الله وحين ثبت الحق في وجه المرتدين وحاربهم حتى نصر الله به الدين وقمع فتنة الردة ومن أعظم مواقف الصالحين في تثبيت الذين آمنوا في الفتن وشد أزرهم عند المحن ما وقع للإمام أحمد ابن حنبل إمام أهل السنة والجماعة الذي نصر الله تعالى به دينه في فتنة القول بخلق القرآن فقد ذكر الحافظ ابن الكثير أن أحمد ابن حنبل لما صار إلى رحبة فوق بالشام عرض له رجل من الأعراب فقال يا هذا إنك وافد الناس فلا تكن شؤما عليهم وإنك رأس الناس اليوم فإياك أن تجيبهم ما يدعونك إليه فيجيبوا فتحمل أوزارهم يوم القيامة وإن كنت تحب الله فاصبر على ما أنت فيه فإنما بينك وبين الجنة إلا أن تقتل.
قال الإمام أحمد فكان كلامه مما قوى عزمي على ما أنا فيه من الامتناع عن ذلك الذي يدعونني إليه.
فثبت على القول بأن القرآن منزل غير مخلوق من الله بدا وإليه يعود فنصره الله وانقمعت الفتنة ولله الحمد.
وحدث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:لما كانت الليلة التي أسري بي فيها أتت علي رائحة طيبة فقلت: يا جبريل ما هذه الرائحة الطيبة فقال هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها قلت: وما شأنها قال بينما هي تمشط ابنة فرعون ذات يوم إذ سقط المشط من يدها فقالت: بسم الله فقالت لها ابنة فرعون أبي قالت: لا ولكن ربي ورب أبيك الله قالت: أخبره بذلك قالت :نعم فأخبرته فدعاها فقال يا فلانة وإن لك ربا غيري قالت نعم ربي وربك الله فأمر ببقرة من نحاس فأحميت ثم أمر بها أن تلقى هي وأولادها فيها قالت له: إن لي إليك حاجة قال: وما حاجتك قالت أحب أن تجمع عظامي وعظام ولدي في ثوب واحد وتدفننا قال: ذلك لك علينا من الحق قال: فأمر بأولادها فألقوا بين يديها واحدا واحدا إلى أن انتهى ذلك إلى صبي لها مرضع وكأنها تقاعست من أجله قال يا أمه اقتحمي فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فاقتحمت) ( )
قال ابن عباس تكلم أربعة صغار عيسى ابن مريم عليه السلام وصاحب جريج وشاهد يوسف وابن ماشطة ابنة فرعون رواه أحمد بإسناد حسن ( )
الله أكبر ما أعظم إيمان هذه المرأة وما أشد ثباتها.
اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائل المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.



الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد
عباد الله:
اتقوا الله تعالى وراقبوه وأطيعوه ولا تعصوه واعلموا أنكم ملاقوه فاستعدوا للقائه واتبعوا صراطه المستقيم -( ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون )- [الأنعام/153]
عباد الله:
إن على المسلم الصادق في إيمانه أن يحرص على الثبات لا سيما في هذا العصر عصر التحديات والفتن والمغريات فبالثبات يعيش المسلم ويستمر على صراط الله ثابت الأركان عظيم القيم محققا أسمى غاياته في الدنيا والآخرة وإن عليه أن يحرص على تحصيل أسباب الثبات والتخلق بأخلاق الثابتين وفي مقدمتها الصبر فما أعطي أحدا عطاء خيرا وأوسع من الصبر، وأن يحرص على التحصن بالعلم الشرعي فإنه يجلوا العمى ويبدد الشبهات ويقود صاحبه إلى الصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه ولا التباس وأن يتأسى بمواقف الصالحين في الثبات على الحق
عباد الله:
-( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما )- [الأحزاب/56] وأكثروا عليه من الصلاة يعظم لكم ربكم بها أجرا فقد قال صلى الله عليه وسلم من صلى علي صلاة صلى عليه بها عشرة ( )
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك نبينا محمد صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك وإحسانك يا أرحم الراحمين
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعدائك أعداء الدين وانصر عبادك الموحدين واحم حوزة الدين اللهم انصر دينك وانصر من نصر دينك واجعلنا من أنصار دينك يارب العالمين
اللهم وأنجي المستضعفين من المؤمنين والمؤمنات في كل مكان أرضك يا رب العالمين
اللهم وآمنا في دورنا وأوطاننا وأصلح ووفق ولاة أمورنا اللهم وأصلح قلوبهم وأعمالهم وسددهم في أقوالهم وأفعالهم يا ذا الجلال والإكرام
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار
اللهم اغفر لنا ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات اللهم نور على أهل القبور من المسلمين والمسلمات قبورهم
اللهم واغفر للأحياء ويسر لهم أمورهم
اللهم تب على التائبيين واغفر ذنوب المذنبين واقض الدين على المدينين واشف مرضى المسلمين واكتب الصحة والسلامة والعافية والهداية والتوفيق لنا وكافة المسلمين في برك وبحرك أجمعين
عباد الله:
-( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون )- [النحل/90] -( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون )- [النحل/91]
فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون .

تعليقات 0 | إهداء 1 | زيارات 19271


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


تقييم
1.04/10 (37 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.