في
الأحد 4 جمادى الأول 1439 / 21 يناير 2018

جديد الخطب المكتوبة والرسائل
جديد الكتب
جديد الفتاوى
جديد الصوتيات

الإيمـان بالمـيزان
05-16-1429 06:18 PM

خـطبة الشـيخ عبدالله القرعـاوي

الحـمد لله عالم الغـيب والشـهادة، أحمـده سـبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحـده لا شـريك له، وأشـهد أن نبينا محـمدا عـبده ورسـوله صلى الله وسـلم، بارك عليه وعلى آله وأصحابه، والتابعـين لهم بإحـسان إلى يوم الدين.
أما بعـد : عـباد الله:
اتقـوا الله تعالى وأطـيعوه، واعلموا أن الإيمان بالأمور الغيـبية، أصل من أصول الإيمان: يجـعل العبد منقادا إلى شـرع الله، مسـتسلما لأمره مصدقا بوعـده.
فعلى المؤمن أن يصدق بما أخـبر الله به من أمور الغـيب دون تردد أو شك، وليس مجـرد الإيمان بأسمـائها يكون كـافيا في ذلك.
بل لا بد من الإيمان بحـقيقتها، وعدم تأويلها، وعدم تحـريف الكـلم عن مواضعه، فمن الأمور الغيـبية التي يجـب الإيمان بها:
الميزان في يوم القيامة، وأنه حـق لا مرية فيه، فتوزن فيه الأعمال والعامل وصحـائف الأعمال، فقد تكـاثرت النصوص الشـرعية في إثبات حـقيقة الميزان.
فمن آيات القرآن الكريم قوله تعالى:
-(وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِـسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْـلَمُ نَفْـسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْـقَالَ حَـبَّةٍ مِنْ خَـرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَـفَى بِنَا حَـاسِبـِينَ)- [الأنبياء/47].
وقال تعـالى:
-(وَالْوَزْنُ يَوْمَئِـذٍ الْحَـقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِـكَ هُمُ الْمُفْلِحُـونَ (8)وَمَنْ خَـفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَـسِرُوا أَنْفُـسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَـا يَظْـلِمُونَ)- [الأعراف/8-9].
وقال تعالى:
-(فَأَمَّا مَنْ ثَقُـلَتْ مَوَازِينُهُ(6)فَهُوَ فِي عِيـشَةٍ رَاضِيَـةٍ(7)وَأَمَّا مَنْ خَـفَّتْ مَوَازِينُـهُ(8)فَأُمُّـهُ هَـاوِيَةٌ(9)وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَـهْ(10)نَارٌ حَـامِيَةٌ)- [القارعة/6-11].
ومن السـنة ما جـاء عن أبي هـريرة رضي الله عنه قال : قال رسـول الله صلى الله عليه وسـلم : «كَـلِمَتَانِ حَبِيـبَتَانِ إِلَى الرَّحْـمَنِ، خَـفِيفَتَانِ عَلَى اللِّـسَانِ، ثَقِيـلَتَانِ فِي الْمِـيزَانِ، سُـبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَـمْدِهِ سُـبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِـيمِ».( )متفـق عليه.
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : قال رسـول الله صلى الله عليه وسـلم «مَا مِنْ شَـيْءٍ يُوضَع فِي الْمِيزَانِ-يوم القيامة- أَثْقَلُ مِنْ حُـسْنِ الْخُـلُقِ» أخـرجه أبو داوود والترمـذي( ).
وعن أبي هـريرة رضي الله عنه قال : قال رسـول الله صلى الله عليه وسـلم «إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُـلُ الْعَظِـيمُ السَّـمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَـنَاحَ بَعُـوضَةٍ» متفـق عليه( ).
وقال صلى الله عليه وسـلم عن سـاقَي ابن مسـعود : «والذي نفـسي بيده لهمـا أثقل في المـيزان من أحـد» رواه أحمـد( ).
وعن أبي مالك الأشـعري رضي الله عنه قال : قال رسـول الله صلى الله عليه وسـلم: «الطهور شـطر الإيمان والحـمد لله تملأ المـيزان» أخـرجه مسـلم( ).
عباد الله :
ولصراحة النصوص في إثبات المـيزان، نص عليه أهل السـنة في مصنفاتهم العقـائدية.
وقد ضل أقوام من أهل البدع والضلال، فأنكروا حـقيقة الميزان وزعمـوا أنه ليـس ميزانا حقـيقية، وإنه يراد به عدل الله عند حـسابه للناس، وهذا من تحـريف الكلم عن مواضعه ومن إنكـار ما أثـبته الله، فعدل الله وعدم ظلمه للناس، مما اسـتقر في الفطر، وتواترت به النصوص فهو معلوم من طريق الفطرة والعقل والسـمع.
أما حقـيقة الميزان: فجـاءت من طريق السـمع وهي على ظاهرها كما ذكر ذلك أهل السـنة في مصنفـاتهم.
وعن عبد الله ابن عمرو ابن العاص أن رسـول الله صلى الله عليه وسـلم قال : «إن الله سـيخلص رجـلا من أمتي على رؤوس الخـلائق يوم القيامـة فينـشر عليه تسـعة وتسـعين سجـلا كل سجـل مثل مد البصر ثم يقول : أتنكـر من هذا شـيئا ؟ أظلمك كتـبتي الحـافظون ؟ فيقول : لا يا رب فيقول : أفلـك عذر ؟ فيقول : لا يا رب فيقول : بلى إن لك عندنا حـسنة فإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخـرج بطاقة فيها : أشـهد أن لا إله إلا الله وأشـهد أن محـمدا عبده ورسـوله فيقول : احـضُر وزنك فيقول : يا رب ما هـذه البطاقة مع هذه السجـلات فقال : إنك لا تظلم قال : فتوضع السجـلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشـت السجـلات وثقلت البطاقة فلا يثقل مع اسـم الله شـيء» أخـرجه الترمـذي( ).
وخص ممن يحـاسب وتوزن أعمالهم طائفـتان:
الأولى: الكـفار: ممن ليـس لهم حـسنة فهؤلاء يقعون في النار من غير حـساب ولا مـيزان.
والطائفة الثـانية: من المؤمنـين: من لا سـيئة له، وله حـسنات كثيرة، زائدة على محـض الإيمان، فهذا يدخـل الجـنة بغير حـساب، كما في قصة السـبعين ألفا ومن شـاء الله أن يلحـقه بهم، نسأل الله أن يجـعلنا منهم.
قال أبو هـريرة رضي الله عنه : في قوله تعـالى : -(وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَـائِرٍ يَطِـيرُ بِجَـنَاحَـيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُـمْ)- [الأنعام/38]، قال: يحـشر الخـلق كلهم يوم القيامة، البهائم والدواب والطـير وكل شيء، فيبلغ من عدل الله يومئـذ أن يأخذ للجـمَّاء من القـرناء، قال: ثم يقول : كوني ترابًا، فلذلك يقول الكافر: { يَا لَيْـتَنِي كُنْتُ تُرَابًا } [النبأ: 40]( ).
وقال ابن بن مَـسْعُود رضي الله عنه: يُؤْتَى بالعبد والأمَة يومَ القيامةِ، فينادي منادٍ على رءوس الأولـين والآخِـرين: هـذا فلانُ بنُ فلانٍ، من كان له حـق فليأت إلى حـقه، فتفرحُ المرأةُ أن يكـون لها الحـق على أبيها أو أخـيها أو زوجـها، ثم قرأ: -( فَلَا أَنْسـَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِـذٍ وَلَا يَتَسَـاءَلُونَ)- [المؤمنون/101] فيغـفر الله من حقه ما يشـاء، ولا يغـفر من حـقوق الناس شـيئا، فينصَب للنـاس فينادَي: هـذا فلانُ بن فلانٍ، من كان له حـق فليأتِ إلى حـقه، فيقول: رَبّ، فَنِيـَت الدنيا، من أين أُوتِيـِهْم حـقوقَهم؟ قال: خـذوا من أعماله الصالحـة، فأعـطوا كلَ ذي حق حـقه بقدر طلبته، فإن كان وليًّا لله ففَضَلَ له مثقـالُ ذرة، ضاعفها الله له حتى يدخـلَه بها الجـنة، ثم قرأ: -(إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا)- [النساء/40] قال: ادخل الجـنة؛ وإن كان عبدًا شـقيا قال الملك: ربِّ فنيت حـسناته، وبقي طالـبون كثير، فيقول: خـذوا من سـيئاتهم فأضيفوها إلى سـيئاته، ثم صُكُّـوا له صَكًّـا إلى النار» ( )، نعوذ بالله من النـار.
وأخـرج البزار والبـيهقي في البعث عن أنـس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسـلم قال : «يؤتى بابن آدم يوم القيامة فيوقف بين كفتي الميزان ويوكل به ملك فإن ثقل ميزانه نادى الملك بصوت يـسمع الخـلائق سـعد فلان ابن فلان سـعادة لا يشـقى بعدها أبدا وإن خـف مـيزانه نادى الملك بصوت يسـمع الخلائق ألا شـقي فلان شـقاوة لا يسـعد بعدها أبدا».
وعن عائـشة رضي الله عنها قالت : أَنَّهَا ذَكَرَتِ النَّارَ فَبَكَـتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- : «مَا يُبْكِـيكِ»، قَالَتْ : ذَكَرْتُ النَّارَ فَبَكَيْتُ فَهَلْ تَذْكُرُونَ أَهْلِـيكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ رَسُـولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- : «أَمَّا فِى ثَلاَثَةِ مَوَاطِنَ فَلاَ يَذْكُرُ أَحَـدٌ أَحَـدًا : عِنْدَ الْمِـيزَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَخِـفُّ مِيزَانُهُ أَوْ يَثْـقُلُ وَعِنْدَ الْكِتَابِ حِـينَ يُقَالُ (هَـاؤُمُ اقْرَءُوا كِـتَابِيَهْ) حَـتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ يَقَعُ كِـتَابُهُ أَفِى يَمِـينِهِ أَمْ فِى شِـمَالِهِ أَمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ وَعِنْدَ الصِّرَاطِ إِذَا وُضِعَ بَيْنَ ظَهْرَىْ جَـهَنَّمَ» رواه أبو داود( ).
عـباد الله :
إنه لا ينجـو من خـطره إلا من حـاسـب نفسه في الدنيا، ووزن أعماله فيها بميزان الشـرع وتتبع أقواله وأفعاله وخـطراته ولحـظاته.
كما قال عمر رضي الله عنه : (حـاسبوا أنفسكم قبل أن تحـاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا).
ومما يجـب الإيمان به كالميزان، الصحـف: وهي صحـف الأعمال، قال تعالى : -(وَإِذَا الصُّحُـفُ نُشِـرَتْ)- [التكوير/10].
وقال تعالى:
-(وَكُلَّ إِنْسَـانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْـرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُـورًا(13)اقْرَأْ كِـتَابَكَ كَـفَى بِنَفْـسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَـسِيبًا)- [الإسراء/13-14].
فيجـمع له عمله كله في كتاب يعطاه يوم القيـامة، حـين البعـث والحـساب، يلقاه مفتوحـا غير مطـوي، يقرأه فيه جمـيع عمله من أول عمره إلى آخـره.
قال تعـالى : -(يُنَبَّأُ الْإِنْسَـانُ يَوْمَئِـذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّـرَ(13)بَلِ الْإِنْسَـانُ عَلَى نَفْسِـهِ بَصِـيرَةٌ(14)وَلَوْ أَلْقَى مَعَـاذِيرَهُ)- [القيامة/13-15].

عـباد الله :
سـيعلم العبد إذا مات، وفارقت روحه جـسده، ووجـد ما عند الله من العدل والإنصاف، ووجـده لم يقدم إلا السـيئات والخـبائث والتمرد على من خـلقه، فإذا وزنت سـيئاته وكانت كثـيرة جدا ولم توجـد له حـسنات، فعند ذلك سـيعلم: هل هو كان متقـدما أم لا، وهل كان عاقلا فطـنا أم لا، فليعلم أنه هو المتأخـر الذي لا يفهم عن الله شـيئا، وعما قليل سـتنكشف الحـقائق -( لِكُـلِّ أَجَـلٍ كِتَابٌ)- [الرعد/38] فسـيقع ما سـيقع.
فعلى المؤمن أن يكـون عاقلا فطنا، وأن لا يهلك نفـسه بيده، وأن يلاحـظ أنه يوم القيامة سـتوزن سـيئاته وحـسناته على رؤوس الأشـهاد، فإن كانت سـيئاته أرجـح جـر مخـزيا مفضوحا إلى النار، وإن كانت حـسناته أرجـح جاء مـسرورا كريمـا إلى الجـنة، فعلى الإنـسان أن لا يهلـك نفـسه في دار الدنيا بإتبـاع الشـهوات واتباع المضللـين.
اللهم أعـنا على ذكرك وشـكرك وحـسن عبادتك.
أقول قولي هذا، وأسـتغفر الله لي ولكم، ولسـائر المسـلمين من كل ذنب، فاسـتغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغـفور الرحـيم.

الخطبة الثانية
الحـمد لله رب العالمـين، أحمـده سـبحانه وأشـكره، وأشـهد أن لا إله إلا الله وحـده لا شـريك له، وأشـهد أن نبينا محـمدا عبده ورسـوله صلى الله وسـلم وبارك عليه وعلى آله وأصحـابه، والتابعين لهم بإحـسان إلى يوم الدين.
أما بعـد : عـباد الله :
اتقوا الله تعالى،واعلموا أن للمـيزان حقـيقة لا شـك فيها ولا ريب.
فعلى العبد أن يؤمن بذلك ويسـلم، وليعلم أن هذا هو طريق الذين أنعم الله عليهم، من النبيـين والصديقـين والشـهداء والصالحـين، وحـسن أولئك رفيقـا.
وعليه أن يكـون دائما على حـذر، ويفكـر في أمامه من العقبات والأهوال والمزعجـات، ويذكر تطاير الصحـف إلى الأيمـان والشـمائل.
ولعل من الحكـم في جعل الميزان: إقامة الحـجة على الناس وإظهار عدل الله، وأنه تعالى لا يظـلم مثقال ذرة، ومنها قرة أعـين الفائزين عند رؤية المبشـرات المعـجلة قبل دخـول الجـنة.
اللهم إنا نسـألك الجـنة ونعوذ بك من النـار.
عـباد الله : -(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُـوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَـلِّمُوا تَسْـلِيمًا)- [الأحزاب/56].
اللهم أعـز الإسـلام والمسـلمين وأذل الشـرك والمشـركين ودمر أعدائك أعداء الدين وانصر عـبادك الموحـدين واحمـي حـوزة الدين.
اللهم وآمنا في دورنا وأوطاننـا وأصلح ووفـق ولاة أمورنا.
ربنا آتنا في الدنيا حـسنة وفي الآخـرة حـسنة وقنا عذاب النار.
اللهم اغـفر لنا ولآبائنـا ولأمهاتنـا، ولجـميع المسـلمين والمسـلمات، والمؤمنـين والمؤمنـات الأحـياء منهم والأمـوات.
-(سُـبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِـزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ(180)وَسَـلَامٌ عَلَى الْمُرْسَـلِينَ(181)وَالْحَـمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِـينَ)- [الصافات/180-182].

تعليقات 0 | إهداء 1 | زيارات 7545


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


تقييم
1.02/10 (23 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.