في
الأحد 4 جمادى الأول 1439 / 21 يناير 2018

جديد الخطب المكتوبة والرسائل
جديد الكتب
جديد الفتاوى
جديد الصوتيات

الحسد
05-16-1429 06:34 PM

خطبة الشيخ عبد الله القرعاوي

الحمد لله الذي قدر فهدى، أحمده سبحانه له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله الداعي إلى كلمة التقوى، والناهي عن التحاسد والبغضاء، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: عباد الله:
اتقوا الله تعالى واحذروا من ارتكاب الكبائر الظاهرة والباطنة، وإن من الكبائر الباطنة كبيرة الحسد، فهي كبيرة من كبائر القلب الباطنة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَث أيام» رواه البخاري ومسلم( ).
والحسد: هو تمني زوال النعمة عن صاحبها سواء كانت نعمة دينية أم نعمة دنيوية وقد حذر الله تعالى منها فقال سبحانه: -(أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا)- [النساء/54].
وأمر سبحانه بالاستعاذة منه ومن شره في قوله تعالى: -(وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ)- [الفلق/5].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ». أَوْ قَالَ: «الْعُشْبَ» رواه أبو داود( ).
وقال صلى الله عليه وسلم: «إن لنعم الله أعداء قيل: من هم يا رسول الله قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله» رواه الطبراني.
وقال صلى الله عليه وسلم: «دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أنبئكم بما يثبت ذلك لكم أفشوا السلام بينكم» رواه الترمذي وصححه وأحمد( ).
عباد الله:
الحاسد يموت غيظا من حسده لأن الحسد داء الجسد. قال بعض الحكماء: (الحسود من الهم كساقي السم فإن سرى سمه زال عنه همه).
وحقيقة الحسد شدة الأسى على الخيرات التي تكون عند الناس فإذا أنعم الله على أخيك المسلم بنعمة فلك منها حالان، إما أن تكره تلك النعمة وتحب زوالها عنه فهذا هو الحسد المحرم المذموم، وإما أن لا تحب زوالها ولا تكره وجودها ودوامها عليه لكنك تشتهي مثلها فهذه هي الغبطة وقد تسمى المنافسة وهذه لا بأس بها، لا سيما إذا كانت منافسة في الخيرات، ومسابقة في الصالحات.
ويعظم الحسد في الإثم ويؤثر في النفس حين يكون بين الأقارب والأصدقاء والأقران، فإن العداوة إذا وجدت بين الأقارب كانت صعبة الانحلال، فكيف إذا كانت عداوة حسد.
وأسباب الحسد في الغالب لا تخرج عن ثلاثة، أحدها بغض المحسود ممن حسده بسبب ظهور فضائله وشكر الناس لمناقبه، وثانيها طهور فضل من المحسود يعجز عنه الحاسد مما يثير غضبه وحقده وحسده عليه، وثالثها أن يكون الحاسد بخيلا بالنعمة شحيحا بالفضائل وهي ليست عنده لأنها مواهب قد قسمها الله بين عباده، ووهبها من يشاء من خلقه، ويحسد من أعطاه الله إياها ويتمنى زوالها عنه وهذا هو أعظم أنواع الحسد إثما وأخبثها ضررا، وليس لصاحبه راحة.
ولقد أحسن من قال:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه
كضرائر الحسناء قلن لوجهها
فالقوم أعداء له وخصوم
حسدا وبغيا إنه لدميم

وليس شيئا أضر من الحسد، فإنه مهلك لصاحبه إذ يصل إلى الحاسد، خمس عقوبات، قبل أن يصل إلى المحسود شيء من بغيه، غم لا ينقطع، ومصيبة لا يؤجر عليها، ومذمة لا يحمد عليها، وسخط الرب سبحانه وتعالى عليه، وتغلق عليه أبواب الخير والتوفيق.
مر أنس ابن مالك رضي الله عنه على ديار خربة خاوية فقال: (هذه أهلكها وأهلك أهلها البغي والحسد إن الحسد ليطفئ نور الحسنات والبغي يصدق ذلك أو يكذبه فإذا حسدتم فلا تبغوا).
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله يتولى الصالحين، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: عباد الله:
اتقوا الله تعالى، واعلموا أن لدفع شر الحسد والحاسد أسبابا، منها التعوذ بالله من شر الحسد والحاسد، والتحصن بالله واللجاء إليه، ومنها تقوى الله وحفظه عند أمره ونهيه، ومنها الصبر على عدوه وعدم مقاتلته وشكواه، ومنها التوكل على الله، ومنها فراغ القلب من الاشتغال بالحاسد، ومنها الإقبال على الله والإخلاص له، ومنها تجريد التوبة إلى الله من الذنوب التي سلطت عليه أعداءه، ومنها الصدقة والتوبة ما أمكنه فإن لذلك تأثيرا عجيبا في دفع البلاء ودفع العين وشر الحاسد، ومنها الإحسان إلى الحاسد والباغي والمؤذي فكلما ازداد أذى وشرا وبغيا وحسدا ازددت إليه إحسانا وله نصيحة وعليه شفقة، ومنها وهو الجامع لذلك كله وعليه مدار هذه الأسباب وهو تجريد التوحيد والترحل بالفكر في الأسباب إلى المسبب العزيز الحكيم، والعلم بأن هذه آلات بمنزلة حركات الرياح وهي بيد محركها وفاطرها وبارئها، ولا تضر ولا تنفع إلا بإذنه، فهو الذي يحصن عبده بها، وهو الذي يصرفها عنه وحده لا أحد سواه قال تعالى: -(وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ)- [يونس/107].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله ابن عباس رضي الله عنهما: «واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك» رواه الترمذي( ).
فإذا جرد العبد التوحيد فقد خرج من قلبه خوف ما سواه وكان عدوه أهون عليه من أن يخافه مع الله، فالتوحيد حصن الله الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين
قال بعض السلف: (من خاف الله خافه كل شيء ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء، فهذه عشرة أسباب يندفع بها شر الحاسد والعائن والساحر، وليس له أنفع من التوجه إلى الله، وإقباله عليه، وتوكله عليه، وثقته به، وأن لا يخاف معه غيره، بل يكون خوفه منه وحده، ولا يرجوا سواه بل يرجوه وحده، فلا يعلق قلبه بغيره، ولا يستغيث بسواه، ولا يرجوا إلا إياه، وما تعلق قلبه بغيره ورجاه وخافه وكل إليه، وخذل من جهته، وحرم خيره، هذه سنة الله في خلقه -( وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا)- [الأحزاب/62] انتهى من كلام ابن القيم رحمه الله( ).
عباد الله:
-(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)- [الأحزاب/56] وأكثروا عليه من الصلاة يعظم لكم ربكم بها أجرا فقد قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَلَّى عَلَىَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا»( ).
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك نبينا محمد، صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك وإحسانك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين.
اللهم إنا نعوذ بك من شر اليهود والنصارى والرافضة، اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك الله من شرورهم، اللهم خالف بين كلمهم، واجعل بأسهم بينهم شديد، اللهم واشدد عليهم واطأتك، وارفع عنهم عافيتك، يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم انصر دينك، وانصر من نصر دينك، واجعلنا من أنصار دينك، يا رب العالمين.
اللهم وآمنا في دورنا وأوطاننا، وأصلح ووفق ولاة أمورنا.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
اللهم اصرف عنا وعن جميع المسلمين شر ما قضيت، اللهم والطف بنا وبالمسلمين في قضائك وقدرك، يا أرحم الراحمين.
اللهم اغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا ولأولادنا ولأزواجنا، ولجميع المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.
-(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ*وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ*وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)- [الصافات/180-182].

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 14427


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


تقييم
1.09/10 (23 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.