في
الأحد 4 جمادى الأول 1439 / 21 يناير 2018

جديد الخطب المكتوبة والرسائل
جديد الكتب
جديد الفتاوى
جديد الصوتيات

الموت
05-16-1429 06:36 PM

خطبة الشيخ عبد الله القرعاوي

الحمد لله الملك العزيز العلام، العلي العظيم الكريم السلام، غافر الذنب وقابل التوب من جميع الآثام، أحمده سبحانه على ما اتصف به من صفات الجلال والإكرام، وأشكره على ما أسداه من جزيل الفضل والإنعام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أرجو بها الفوز بدار السلام، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله الذي أظهر الله به الإيمان والإسلام، اللهم صلى على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه البررة الكرام.
أما بعد: عباد الله:
اتقوا الله تعالى وأطيعوه، وراقبوه في السر والعلن ولا تعصوه، واعملوا صالحا ينجيكم من عذابه وأليم عقابه، ولا تنسوا ذكر هادم اللذات ومفرق الجماعات، ألا وهو الموت الذي وُكّل بكم، والذي سينقلكم بأعمالكم إلى القبور كما نقل الأوائل بأعمالهم، جعل لهم من الضريح أكنانا، ومن التراب أكفانا، ومن الرفات أخدانا، واستبدلوا بظاهر الأرض بطنا، وبالسعة ضيقا إلا من وسع الله عليه، وبالنور ظلمة إلا من نور الله عليه، يتمنون الرجعة ليعملوا صالحا، وهيهات هيهات لهم بالرجوع، فما أحوجنا إلى أن نتذكر ذلك ونحن في زمن سيطر فيه حب الدنيا على قلوب الكثير منا.
وفي الحديث سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي المؤمنين أكيس قال: أكثرهم للموت ذكرا( ).
ما أحوجنا إلى أن نتذكر مصارع الغابرين، عسى أن نثوب إلى رُشدنا، ونستيقظ من رقادنا، ويتمزق حجاب الغفلة عن قلوبنا، فنتهيأ لهذا السفر البعيد، ونأخذ له زاده، ونعد له عدته واستعداده، فلا كالموت يهز قلب الحي.
قال تعالى: -(قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)- [الجمعة/8].
وإننا في غفلة عن هذا الأمر وهذا المنقلب وهذا المصير، -(اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ)- [الأنبياء/1].
وأول ما يلاقينا من شدائده الموت، والموت أعظم من نيف وسبعين ضربة أو طعنة بالسيف، والقبر أول منزل من منازل الآخرة، فإن نجا منه العبد فما بعده أيسر، وإن لم ينجو فما بعده أشد.
روى الإمام أحمد في مسنده عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى قبر ولما يُلحد بعد، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير، وبيده عود ينكت به في الأرض فرفع رأسه فقال: تعوذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثا ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجئ ملك الموت عليه السلام حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان قال فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط ويخرج منها كأطيب نفحة مسك، وجدت على وجه الأرض قال فيصعدون بها فلا يمرون يعنى بها على ملأ من الملائكة، إلا قالوا ما هذا الروح الطيب فيقولون: فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون له فيفتح لهم فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي به إلى السماء السابعة، فيقول الله عز و جل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال فتعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله صلى الله عليه و سلم، فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فينادى مناد في السماء، إن صدق عبدي فافرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة قال فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره قال ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول له من أنت فوجهك الوجه يجئ بالخير فيقول أنا عملك الصالح فيقول رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي وما لي قال وان العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح فيجلسون منه مد البصر ثم يجئ ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الخبيثة أخرجي إلى سخط من الله وغضب قال فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذا الروح الخبيث فيقولون فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهي به إلى السماء الدنيا فيستفتح له فلا يفتح له ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه و سلم { لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط } فيقول الله عز و جل اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى فتطرح روحه طرحا ثم قرأ { ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق } فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول هاه هاه لا أدري فيقولان له ما دينك فيقول هاه هاه لا أدري فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هاه هاه لا أدري فينادى مناد من السماء إن كذب فافرشوا له من النار وافتحوا له بابا إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول أبشر بالذي يسوءك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول من أنت فوجهك الوجه يجئ بالشر فيقول أنا عملك الخبيث فيقول رب لا تقم الساعة)( ).
عباد الله:
عذاب القبر ثابت في الكتاب والسنة، وعامته عن المعاصي فظواهر قبور المعذبين تراب، وبواطنها حسرات وعذاب، ظواهرها بالتراب مسواة وفي باطنها الدواهي والبليات، تغلي بالحسرات ،كما تغلي القدور بما فيها وقد حيل بينها وبين شهواتها وأمانيها، تالله لقد وعظت القبور فما تركت لواعظ مقالا، ونادت يا عمار الدنيا لقد عمرتم دارا يوشك بكم زوالها، وخربتم دارا عما قريب إتيانها، عمرتم بيوتا لغيركم منافعها وسكناها، وخربتم بيوتا ليس لكم مساكن سواها، فالقبور محل العبر رياض من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار.
فاتقوا الله عباد الله وأطيعوا أمره، وخافوا عقابه، ومهدوا لأنفسكم المهاد الحسن، يوم موتكم ويوم بعثكم وعرضكم على ربكم فالحياة مرة، والفرصة واحدة، فإذا انتهت فلا كرة ولا رجوع.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم -(أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ*حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ*كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ*ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ *كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ*لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ*ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ*ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ)- [التكاثر/1-8].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا نبينا محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: عباد الله:
اتقوا الله وأطيعوه، يا ابن آدم كأنك بالموت وقد فجعك، وألحقك بمن سبقك من الأمم، ونقلك من المساكن والفلل إلى بيت الوحدة والوحشة والظلم، وليس لك قدرة فتدفعه بكثرة الأموال ولا بقوة الخدم، وندمت على التفريط ولات ساعة ندم، فيا عجبا لعين تنام وطالب مجد في طلبها لم ينم، متى تحذر مما تُوعّد وتُهدد، ومتى تضرم نار الخوف في قلبك وتتوقد، إلى متى حسناتك تضمحل وسيئاتك تتجدد؟ وإلى متى لا يهونك زجر الواعظ وإن شدد؟ وإلى متى وأنت بين الفتور والتواني تردد؟ متى تحذر يوما تنطق فيه الجلود وتشهد؟ ومتى تقبل على ما يبقى وتترك ما يفنى؟ متى تهب بك في بحر الود ريح الخوف والرجاء؟ متى تكون في الليل قائما إذا سجى؟ أين الذين عامَلوا مولاهم بالإخلاص وانفردوا وقاموا في الدجى؟ فركعوا وسجدوا وقدموا إلى بابه في الأسحار ووفدوا وصاموا هواجر النهار فصبروا واجتهدوا؟ لقد ساروا وتخلفت، وفاتك ما وجدوا، وبقيت في أعقابهم وإن لم تسرع وتجتهد بعُدُوا، فتنبه وتيقظ يا مسكين قبل أن يفجعك هادم اللذات، فلا تقدر على استدراك لما فات.
قال الله جل وعلا: -(وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ*وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)- [المنافقون/10-11].
عباد الله:
-(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)- [الأحزاب/56].
وأكثروا عليه من الصلاة يعظم لكم ربكم بها أجرا، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَلَّى عَلَىَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا»( ).

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك نبينا محمد، صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعدائك أعداء الدين، وانصر عبادك الموحدين، واحم حوزة الدين.
اللهم قاتل الكفرة من أهل الكتاب الذين يصدون عن دينك، ويكذبون رسلك، ويعادون أولياءك، اللهم فرق جمعهم، وشتت شملهم، وأدر عليهم دائرة السوء، واجعل تدميرهم في تدبيرهم، يا حي يا قيوم.
اللهم إنا نعوذ بك من شر اليهود والنصارى والرافضة، اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك اللهم من شرورهم، اللهم خالف بين كلمهم، اللهم واجعل بأسهم بينهم شديد، يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم انصر دينك، وانصر من نصر دينك، واجعلنا من أنصار دينك، يا رب العالمين اللهم وآمنا في دورنا وأوطاننا، وأصلح وأحفظ ولاة أمورنا.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
اللهم اغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا، ولأولادنا ولأزواجنا، ولجميع المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.
-(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ*وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ*وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)- [الصافات/180-182].

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 7582


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


تقييم
1.05/10 (23 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.