في
السبت 11 صفر 1440 / 20 أكتوبر 2018

جديد الخطب المكتوبة والرسائل
جديد الكتب
جديد الفتاوى
جديد الصوتيات

05-17-1429 07:16 AM

خطبة الشيخ عبد الله القرعاوي

الحمد لله الكبير المنان، الواحد الأحد الكريم الديان، والحمد لله لا نحصي ثناء عليه وهو البادئ بالإحسان، والحمد لله الذي لا يبلغ غاية حمده إنسان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا يشغله شأن عن شأن، المتفرد بصفات الكمال، المخصوص بنعوت الجلال، الباقي وكل من عليها فان، شهادة سعد قائلها يوم الفزع الأكبر بفضيلة الأمان، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله المبعوث إلى الإنس والجان، المنعوت بالخلق العظيم والسمت القويم الذي وصفه القرآن، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها المسلمون:
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنكم تدينون بدين عظيم يشتمل على كل معاني الخير وحميد الخصال، صحة في الاعتقاد، ونزاهة في العرض، واستقامة في السلوك، وصدقا في المعاملة، وترفعا عن الدنايا، وكمالا في الأخلاق، فلله الحمد لا نحصي ثناء عليه، وما عدا الإسلام فهو انحطاط وهبوط ورجوع بالإنسانية إلى مهاوي الرذيلة ومواطن الهلاك.

عباد الله:
إن بلاد الكفار فيها من دواعي الفتنة ما يكون سببا للزيغ والانحراف، بل هي الفتنة والضلال، لأن أهلها يفقدون أعز شيء وهو الدين الصحيح الذي به تطمئن القلوب، وتزكو به النفوس، وتصان به أعراضهم، وتحقن به دماءهم، وتحفظ به أموالهم، عقائدهم باطلة، وأعراضهم ضائعة، وأسرهم متفككة.
وإنه لمن المحزن، بل من المصائب في الدين أن أصبح السفر إلى بلاد الكفار يفتخر به بعض الناس، وبعضهم يسافر بعائلته للمصيف هناك أو للسياحة دون اعتبار لحكم الشرع في ذلك السفر، ثم إذا ذهبوا هناك ذابت شخصيتهم الدينية والخلقية مع الكفار، فلبسوا لباسهم، واقتدوا بأخلاقهم، حتى نساء بعضهم يخلعن لباس الستر والشرع ويلبسن لباس الكافرات، وإذا كان هذا تحول الظاهر فما بالك بتحول الباطن، إن أخلاق الكفار وتقليدهم ذلة ومهانة ونقص، فكيف يستبدل المسلم، الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ كيف يتنازل المسلم من عليائه إلى الحضيض؟ كيف يعطي الدنية في دينه؟ والله تعالى يقول: -( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ)- [المنافقون/8].
إن خطر السفر إلى بلاد الكفر والظلم عظيم، وضرره جسيم، أما يخاف من يسافر من غير ضرورة أن يعاقب في دينه؟ بل إن السفر إلى البلاد الكافرة هو العقوبة في الدين والمصيبة الكبرى والكارثة العظمى في الدين، فالدين رأس مال المسلم فماذا بعد ذهاب الدين؟ فإذا كان هذا هو الواقع فمنع السفر إلى البلاد الكافرة وتحريمه إلا لضرورة هو الصحيح، لعدم القدرة على إظهار الدين حقيقة، وللأدلة من الكتاب والسنة، كقوله عز وجل: -(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)- [النساء/97] وقوله: (ظالمي أنفسهم) أي بسبب الإقامة بين أظهر الكفار وهم قادرون على الهجرة، (قالوا فيم كنتم) أي لم مكثتم ها هنا وتركتم الهجرة؟ وهذا استفهام إنكار وتوبيخ وتقريع (قالوا كنا مستضعفين في الأرض) أي عاجزين عن الهجرة لا نقدر على الخروج من البلد ولا الذهاب في الأرض، (قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا) يعني إلى المدينة فتخرجوا من بين أهل الشرك ولم تعذرهم الملائكة.
فدلت هذه الآية على أن تارك الهجرة بعدما وجبت عليه وهو قادر عليها مرتكب كبيره من كبائر الذنوب ثم استثنى الله المستضعفين العاجزين عن الهجرة بقوله تعالى: -(إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا*فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا)- [النساء/98-99] قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره عند ذكر هذه الآية: (وهذه الآية عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكنا من إقامة الدين فهو ظالم لنفسه مرتكب حراما بالإجماع وبنص هذه الآية).

فإذا كان هذا الوعيد الشديد في المسلم الذي مسكنه وأهله وأولاده وماله في ديار المشركين، فيقيم عندهم لأجل ذلك بدون إظهار الدين حقيقة مع قدرته على الهجرة، فكيف بالمسلم الذي في بلاد الإسلام والمسلمين من أهل هذه المملكة، ثم يذهب طوعا لا كرها واختيارا لا اضطرارا إلى بلاد الكفر والشرك، ويقيم بين أظهرهم لأغراض تافهة، أو لمقاصد سيئة، أو لسياحة ونحوها، فهذا أولى بالإثم والوعيد ممن نصت الآية عليه، ولو كانت إقامته يوما واحدا.
ومن الأدلة على تحريم السفر إلى بلاد الكفار:
قوله تعالى: -(وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا)- [النساء/140].
وكذا قوله: -(وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ)- [الأنعام/68].
قال القرطبي: (إن هذه الآية دليل على حرمة الدخول إلى أرض العدو، وحرمة الدخول في الكنائس والبيع، وحرمة مجالسة الكفار وأهل البدع).


وأما الأدلة من السنة على تحريم السفر إلى بلاد الكفار والمشركين وكذا الإقامة فمنها:
ما روى أبو داود عن سمرة ابن جندب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَإِنَّهُ مِثْلُهُ» وإسناده حسن( ).
ومنها ما رواه النسائي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يقبل الله من مشرك أشرك بعد ما أسلم عملا حتى يفارق المشركين إلى المسلمين» وإسناده حسن( ).
ولما رواه أبو داود عن جرير ابن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أقام مع المشركين فقد برئت منه الذمة» أو قال: لا ذمة له وإسناده حسن( ).
وما رواه الثلاثة عن جرير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أَنَا بَرِىءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ»( ).
ففي هذه الأحاديث الوعيد الشديد، لمن جامع المشركين وساكنهم اختيارا، وخاصة من لم يستطع إظهار دين الله عندهم، وإعلان البراءة منهم ومن كفرهم.
فليحذر المسلمون من السفر والإقامة بين الوثنيين والمرتدين واليهود والنصارى والمجوس، من أن يلحقهم الوعيد الشديد، لأن هذه الأحاديث تدل على وجوب الهجرة من ديار المشركين إلى ديار المسلمين إلى قيام الساعة، وأن الهجرة لا تنقطع حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها، وهذا مذهب جمهور العلماء.
فاتقوا الله أيها المسلمون، واشكروه على ما أعطاكم من النعم العظيمة، التي أجلها نعمة الإسلام، فلا تعرضوا هذه النعمة للزوال، حافظوا على دينكم الذي هو عصمة أمركم.
قال عز وجل: -(وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ)- [البقرة/109].
وقال تعالى: -(مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ)- [البقرة/105].
وقال تعالى: -( وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا)- [البقرة/217].
وقال تعالى: -(وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً)- [النساء/89].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: عباد الله:
اتقوا الله تعالى، واشكروه على ما من به علينا من نعمة الإسلام، أُشكروا الله تعالى على هذه النعمة، بالقيام بأوامر الله، واجتناب نواهيه، بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لئلا نسلب هذه النعمة.
فإنكم تعلمون ما تموج به البلاد الخارجية الكافرة من كفر وإلحاد وانحطاط في الأخلاق والسلوك، فالإلحاد فيها ظاهر والفساد فيها منتشر، فالخمور والزنا والإباحية وسائر المحرمات مبذولة بلا رادع ولا وازع، فإذا كانت الحالة كذلك في تلك البلدان بل أكثر من هذا وأشنع، فالسفر إليها لغير ضرورة لا يجوز للأدلة من الكتاب والسنة، ولما فيه من الخطورة على الدين ما فيه، وأعز شيء لدى المسلم دينه، فكيف يعرضه لهذا الخطر الشديد؟ إن الإنسان لو كان معه مال وسمع أنه قد يعترضه خطر يهدده بضياع هذا المال، لرأيته يعمل أعظم الاحتياطات لحفظه، فكيف يعظم في عينه المال ويهون عليه الدين؟.
قال بعض السلف: (إذا عرض بلاء فقدم مالك دون نفسك فإن تجاوز البلاء فقدم نفسك دون دينك).
ولذلك شرع الجهاد الذي فيه القتل حفاظا على الدين، لأن الإنسان إذا فقد الدين فقد فَقَدَ كل شيء، وإذا أعطي الدين فقد أعطي السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة.
عباد الله:
إن السفر إلى بلاد الكفر والكفار الذي عظمت فيه الفتنة وتنوعت، لا يجوز إلا في حالات محدودة تصل إلى حد الضرورة مع التحفظ والحذر والابتعاد عن مواطن الفساد، وتكون إقامة المسلم هناك بقدر الضرورة مع اعتزازه بدينه وإظهار دينه واعتزاله عن مجتمعات الفساد وجلساء السوء.
وإظهار الدين: هو التصريح بعداوة أعداء الله، وإظهار بغضهم والبراءة منهم ومما هم عليه وأنهم ليسوا على حق بل على باطل والتصريح لبطلان ما اشتهر عندهم من الكفر والشرك.

عباد الله:
-(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)- [الأحزاب/56] وأكثروا عليه من الصلاة يعظم لكم ربكم بها أجرا فقد قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَلَّى عَلَىَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا»( ).
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك نبينا محمد، وعلى الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، وانصر عبادك الموحدين.
اللهم احمي حوزة الدين، اللهم انصر دينك، وانصر من نصر دينك، واجعلنا من أنصار دينك، يا رب العالمين. اللهم وآمنا في دورنا وأوطاننا، وأصلح واحفظ ولاة أمورنا، اللهم وأصلح قلوبهم وأعمالهم، يا ذا الجلال والإكرام.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار، اللهم اصرف عنا وعن جميع المسلمين شر ما قضيت، اللهم ألطف بنا وبالمسلمين في قضائك وقدرك.
اللهم اغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا، ولأولادنا ولأزواجنا، ولجميع المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.
-(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ*وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ*وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)- [الصافات/180-182].

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 4378


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


تقييم
1.01/10 (32 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.