في
الأربعاء 5 ربيع الثاني 1440 / 12 ديسمبر 2018

جديد الخطب المكتوبة والرسائل
جديد الكتب
جديد الفتاوى
جديد الصوتيات

05-17-1429 08:48 AM

خطبة الشيخ عبد الله القرعاوي

إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: عباد الله:
اتقوا الله تعالى وأطيعوه، واعلموا أن التوفيق للعمل الصالح نعمة عظيمة، فعلى المسلم أن يحرص على المداومة على العمل الصالح وعلى أسباب القبول، فإن من أسباب القبول: استصغار العمل وعدم العجب والغرور به، فإن الإنسان مهما عمل وقدم، فإن عمله كله لا يؤدي شكر نعمة من النعم التي في جسده من سمع أو بصر أو نطق أو غيرها، ولا يقوم بشيء من حق الله تبارك وتعالى، فإن حقه فوق الوصف، ولذلك كان من صفات المخلصين أنهم يستصغرون أعمالهم ولا يرونها شيئا حتى لا يُعجبوا بها ولا يصيبهم الغرور فيحبط أجرهم ويكسلوا عن الأعمال الصالحة، ومما يعين على استصغار العمل معرفة الله تعالى ورؤية نعمه، وتذكر الذنوب والتقصير، ولنتأمل أن الله تعالى أوصى نبيه بذلك بعد أن أمره بأمور عظيمة، فقال تعالى: -(يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ*قُمْ فَأَنْذِرْ*وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ*وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ*وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ*وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ)- [المدثر/1-6]
فمن معاني الآية ما قاله الحسن البصري: (لا تمنن بعملك على ربك تستكثره).
ومن ذلك الخوف من رد العمل وعدم قبوله، فقد كان السلف الصالح يهتمون بقبول العمل أشد الاهتمام، حتى يكونوا في حالة خوف وإشفاق، قال الله عز وجل في وصف حالهم تلك: -(وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ)- [المؤمنون/60] -(أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ)- [المؤمنون/61].
وقد فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون ويخافون أن لا يُتقبل منهم( ).
وأثر علي رضي الله عنه أنه قال: كونوا لقبول العمل أشهد اهتماما منكم بالعمل، ألم تسمعوا الله عز وجل يقول: -( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)- [المائدة/27].
ومن ذلك الرجاء وكثرة الدعاء، إن الخوف من الله لا يكفي، إذا لابد من نظيره وهو الرجاء، لأن الخوف بلا رجاء يسبب القنوط واليأس، والرجاء بلا خوف يسبب الأمن من مكر الله، وكلها أمور مذمومة تقدح في عمل الإنسان وعبادته، ورجاء قبول العمل مع الخوف من رده يورث الإنسان تواضعا وخشوعا لله تعالى فيزيد إيمانه، وعندما يتحقق الرجاء فإن الإنسان يرفع يديه سائلا ربه قبول عمله فإنه وحده قادر على ذلك، وهذا ما فعله أبونا إبراهيم خليل الرحمن وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام، كما ذكر الله عنهم في بنائهم الكعبة فقال: -(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)- [البقرة/127]، -( وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)- [البقرة/128].
ومن ذلك كثرة الاستغفار، مهما حرص الإنسان على تكميل علمه فإنه لا بد من النقص والتقصير، ولذلك علمنا الله تعالى كيف نجبر هذا النقص فأمرنا بالاستغفار بعد العبادات فقال بعد أن ذكر مناسك الحج: -(ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)- [البقرة/199].
وأمر نبيه أن يختم حياته العامرة بعبادة الله والجهاد في سبيل بالاستغفار فقال تعالى: -(إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ*وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا*فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا)- [النصر/1-3]
فكان يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي»( ).
وكان صلى الله عليه وسلم يقول بعد كل صلاة: «أستغفر الله أستغفر الله أستغفر الله»( ).
ومن ذلك الإكثار من الأعمال الصالحة، فإن العمل الصالح شجرة طيبة تحتاج إلى سقاية ورعاية، حتى تنمو وتثبت، وتؤتي ثمارها، وإن من علامات القبول الحسنة: فعل الحسنة بعدها، فإن الحسنة تقول أختي أختي، وهذا من رحمة الله تعالى وفضله أنه يكرم عبده إذا فعل حسنة وأخلص فيها لله أنه يفتح له بابا إلى حسنة أخرى ليزيده منه قربا، وإن أهم أمر نحتاجه أن نتعاهد أعمالنا الصالحة التي كنا نعملها فنحافظ عليها ونزيد عليها شيئا فشيئا، كما كان الصحابة رضي الله عنهم.
فمن ذلك ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها «كَانَتْ تُصَلِّي الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ تَقُولُ لَوْ نُشِرَ لِي أَبَوَايَ مَا تَرَكْتُهُنَّ» أخرجه مالك( ).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال عند صلاة الفجر: «يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة» فقال ما عملت عملا أرجى عندي أني لم أتطهر طهورا في ساعة من ليل ولا نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي( ).
وعن بريدة قال أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بلال فقال: «بما سبقتني إلى الجنة ما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي». قال: يا رسول الله ما أذنت قط إلا صليت ركعتين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بهما» رواه الترمذي( ).
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع رجله بيني وبين فاطمة رضي الله عنها فعلمنا ما نقول إذا أخذنا مضاجعنا فقال: «يا فاطمة سبحا الله ثلاثا وثلاثين واحمدا ثلاثا وثلاثين وكبرا اربعا وثلاثين» قال علي رضي الله عنه: (والله ما تركتها بعد). فقال له رجل كان في نفسه عليه شيء: ولا ليلة صفين قال علي: (ولا ليلة صفين)( ).
فالمداومة على الأعمال الصالحة من الأهمية في الشريعة بمكان، فإن فرائض الله عز وجل إنما فرضت على الدوام، وهي أحب الأعمال إلى الله، ومن هدي النبي صلى الله عليه وسلم المداومة على الأعمال الصالحة، فعن عائشة رضي الله عنها قالت «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملا أثبته» رواه مسلم( ).
والأعمال المداوم عليها أحب إلى الله عز وجل، قال صلى الله عليه وسلم: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل»( ).
ومن فاته شيء من الأعمال التي يداوم عليها من صلاة ليل أو قراءة قرآن استحب له قضاؤه، ولولا ما للمداومة من أهمية ما شُرع له ذلك
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: عباد الله:
اتقوا الله تعالى وأطيعوه، واعلموا أن طاعته أقوم وأقوى، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى، واحذروا أسباب سخط الجبار فإن أجسامكم على النار لا تقوى، واعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وعليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار
ثم اعلموا أنكم غدا بين يدي الله موقوفون، وبأعمالكم مجزيون، وعن أفعالكم محاسبون، وعلى تفريطكم وإهمالكم نادمون، -( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)- [الشعراء/227]
عباد الله:
-(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)- [الأحزاب/56].
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك نبينا محمد، وعن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعدائك أعداء الدين. اللهم وأمنا في دورنا وأوطاننا، وأصلح ووفق أولاة أمورنا.
اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك. اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار.
اللهم اصرف عنا وعن جميع المسلمين شر ما قضيت اللهم الطف بنا وبالمسلمين في قضائك وقدرك. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 17642


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


تقييم
1.04/10 (37 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.