في
الثلاثاء 11 ربيع الثاني 1440 / 18 ديسمبر 2018

جديد الخطب المكتوبة والرسائل
جديد الكتب
جديد الفتاوى
جديد الصوتيات

01-09-1429 01:39 PM

خطب الشيخ عبد الله القرعاوي

الاستقامة


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد
عباد الله :
اتقوا الله تعالى وأطيعوه واعلموا أن هذا الدين الذي جاء به نبينا محمدا عليه الصلاة والسلام نور في البصائر وصلاح في البواطن والظواهر هدمت به منارات الإلحاد والجاهلية وتلاشت معه معالم الظلم والوثنية لا خير إلا دل عليه وأمر به ولا شر إلا نفاه وحذر منه أوليس من واجب هذه الأمة التي شرفها الله تعالى بكونها أمة وسطا وجعلها شاهدة على الأمم وشرفها بالإسلام أفضل شرائع السماء أليس من واجبها أن تفاخر بدينها وتعتز بشريعتها وتتمسك بهدي ربها وسنة نبيها محمد عليه الصلاة والسلام كما أمرت وتستقيم على هذا الدين القويم الذي توحدت عليه الصفوف وتألفت به القلوب واجتمعت عليه النفوس وأنقذها الله تعالى به من مهاوي الرذيلة والردى وارتفع بها إلى مشارف الفضيلة والهدى نقلها من ذل الاستعباد إلى عبادة رب العباد سبحانه وتعالى ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة
عن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه قال: (خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا ثم قال : هذا سبيل الله ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله ثم قال: هذه سبل متفرقة على كل سبيل منها شيطان يدعوا إليه ثم قرأ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام/153])( ) وهذه السبل التي على كل واحد منها شيطان يدعوا إليه ليس بالضرورة أن يكون من شياطين الجن بل قد يكون من شياطين الإنس الذين يدعون إلى مخالفة صراط الله المستقيم بكل وسيلة ويزينون الابتعاد عنه بكل طريقة يدعون إلى الطرق المنحرفة والسبل الملتوية فهذا يدعوا إلى الغناء واللهو وذاك يدعوا إلى الكسل والخمول والإعراض عن الطاعة والآخر يدعوا إلى الزنا والعهر والفاحشة والرابع يدعوا إلى التبرج والسفور والخامس يدعوا إلى ترك العبادات والتخلف عن الجماعات وهؤلاء كلهم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم قذفوه فيها والنار حفت بالشهوات لكن المؤمن المستقيم على أمر الله تعالى لا يأبه بهم ولا يركن إليهم.
عباد الله إن الاستقامة ثبات ورجولة وانتصار وفوز في معركة الطاعات والأهواء والرغبات والشهوات ولذلك استحق الذين استقاموا أن تتنزل عليهم الملائكة في الحياة الدنيا لتطرد عنهم الخوف والحزن وتبشرهم بالجنة ويعلنوا وقوفهم إلى جانبهم في الدنيا والآخرة إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصلت/30-32] قال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي ولا تروغ روغان الثعلب. يريد بذلك أن المستقيمين يداومون على الاستقامة في جميع أحوالهم وأوقاتهم وليس وقتا دون وقت قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أعظم الكرامة لزوم الاستقامة ،بالاستقامة أُمِرَ الرسول وأصحابه في قوله تعالى  فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ [هود/112-113] قال ابن عباس رضي الله عنهما ما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع القرآن آية كانت أشد ولا أشق عليه من هذه الآية.
وعن الحسن قال لما أنزلت هذه الآية شمر رسول الله صلى الله عليه وسلم للعبادة فما رئي ضاحكا
وقال لأصحابه حين أسرع إليه الشيب (شيبتني هود وأخواتها)( ) يعني قوله تعالى فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [هود/112]
عباد الله:
إن الاستقامة تحتاج النفس معها إلى المراقبة والملاحظة وأطرها على الحق والعدل والبعد بها عن الهوى والمجاوزة والطغيان والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت أولئك الأكياس الفطناء جمعوا خيري الدنيا والآخرة استقاموا استقامة من علموا أن الدنيا مجرد ساعة فجعلها طاعة فاستحق من الله الثبات والأجر والثواب والرضا يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم/27]
قال قتادة رحمه الله أما الحياة فيثبتهم بالخير والعمل الصالح وبالآخرة في القبر حين سؤال منكر ونكير
وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أمته بقوله (استقيموا ولن تحصوا) رواه مسلم( )
وبقوله صلى الله عليه وسلم (سددوا وقاربوا) متفق عليه( ) والسداد هو حقيقة الاستقامة وهو الإصابة في جميع الأقوال والأعمال والمقاصد وأعظم من ذلك وأجل قول الله تعالى فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ [فصلت/6] وهو توجيه إلهي كريم ليجبر ما قد يحصل من ضعف بشري وقصور إنساني ومدار الاستقامة على أمرين عظيمين هما صدق القلب واللسان فمتى استقاما استقامت سائر الأعضاء وصلح الإنسان في سلوكه وحركاته وسكناته ومتى اعوجا وفسدا فسد الإنسان وضلت أعضائه جميعا.
في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) رواه البخاري ومسلم( )
وعند الإمام أحمد من حديث أنس ابن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ولا يدخل رجل الجنة لا يأمن جاره بوائقه)( )
فاستقيموا أيها المسلمون على شرع الله كما أمرتم استقيموا ولا تطغوا استقيموا ولا تتبعوا سبل الذين لا يعلمون ثم استغفروا ربكم وتوبوا إليه إنه غفور رحيم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم
الحمد لله الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد
عباد الله:
اتقوا الله تعالى حق التقوى فإن تقواه سبحانه سبب الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة واعلموا رحمكم الله أن الاستقامة على السنة ليست رهبانية مبتدعة ولكنها استقامة على الأمر بالامتثال وعلى النهي بالاجتناب
فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة قال تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان قال والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا فلما ولى قال النبي صلى الله عليه وسلم: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا)( ) وتعظم الاستقامة أجرا وتسموا قدرا حين يتمسك المؤمن بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ويعض عليهما بالنواجذ في زمن الشهوات والشبهات فيصلح حين يفسد الناس ويصلح ما أفسد الناس ويقبض على الجمر حين ينكب الناس بالشهوات والمغريات.
روى الترمذي عن أنس ابن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر)( ) وروى مسلم في صحيحه عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا بضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك)( )
وعن تميم الداري رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزا يعز الله به الإسلام وذلا يذل به الكفر) رواه أحمد( )
وعن عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتي وسبعين ملة وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة. قالوا: ومن هي يا رسول الله قال ما أنا عليه وأصحابي) رواه الترمذي( )
فالزموا عباد الله طريق أهل السنة والجماعة طريق الطائفة المنصورة والفرقة الناجية أهل العقيدة الصحيحة والمنهج السليم أتباع السنة والدليل.
عباد الله:
 إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[الأحزاب/56]وأكثروا عليه من الصلاة يعظم لكم ربكم بها أجرا
فقد قال صلى الله عليه وسلم (من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا)( ) اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك وإحسانك يا أرحم الراحمين
اللهم انصر دينك وانصر من نصر دينك واجعلنا من أنصار دينك يا رب العالمين
اللهم قاتل الكفرة من أهل الكتاب الذين يصدون عن دينك ويكذبون رسلك ويعادون أولياءك
اللهم فرق جمعهم وشتت شملهم وأدر عليهم دائرة السوء واجعل تدميرهم في تدبيرهم يا حي يا قيوم
اللهم عليك بعظمائهم ورؤسائهم فإنهم لا يعجزونك
اللهم إنا نعوذ بك من شرورهم وندرأ بك اللهم في نحورهم
اللهم وأنج المستضعفين من المؤمنين والمؤمنات في كل مكان من أرضك يا رب العالمين اللهم ارحم ضعفهم واجبر كسرهم وفك أسرهم وانصرهم على عدوك وعدوهم
اللهم و آمنا في دورنا وأوطاننا وأصلح ووفق ولاة أمورنا اللهم وأصلح قلوبهم وأعمالهم وسددهم في أقوالهم وأفعالهم يا ذا الجلال والإكرام
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار
اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات
اللهم نور على أهل القبور من المسلمين والمسلمات قبورهم
اللهم واغفر للأحياء ويسر لهم أمورهم
اللهم تب على التائبين واغفر ذنوب المذنبين واقض الدين عن المدينين واشف مرضى المسلمين واكتب الصحة والسلامة والعافية والهداية والتوفيق لنا ولكافة المسلمين في برك وبحرك أجمعين
عباد الله:
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون .

تعليقات 0 | إهداء 1 | زيارات 10988


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


تقييم
1.51/10 (49 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.