في
الخميس 14 ربيع الأول 1440 / 22 نوفمبر 2018

جديد الخطب المكتوبة والرسائل
جديد الكتب
جديد الفتاوى
جديد الصوتيات

09-04-1430 01:31 AM

[TABLE=width:70%;][CELL=filter:;]
بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

التحذير من الشرك والتنديد


اعلم - رحمك الله تعالى - أن الشرك في عبادة الله جل وعلا أعظم ذنب عصي الله به؛ لما في الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله نداً وهو خلقك...» الحديث.
ولهذا أخبرنا سبحانه أنه لا يغفره فقال عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ وأخبر أنه لا أضل من فاعله فقال عز وجل: ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ وقال: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ﴾ وأخبر أن فاعل الشرك الأكبر مخلد في النار أبداً لا نصير له ولا حميم ولا شفيع يطاع، قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ﴾ وأخبر سبحانه أن فاعل الشرك الأكبر لو قام لله تعالى قيام السارية ليلاً ونهاراً ثم أشرك مع الله تعالى غيره شركاً أكبر لحظة من اللحظات ومات على ذلك فقد حبط عمله كله بتلك اللحظة التي أشرك فيها، قال عز وجل: ﴿ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ وقال سبحانه: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ ﴾.
إنه ينبغي للمؤمن أن يخاف من الشرك ويحذره ويعرف أسبابه ومبادئه وأنواعه لئلا يقع فيه، ولهذا قال حذيفة رضي الله عنه: «كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه» [رواه البخاري].
وذلك لأن من لم يعرف الشرك قد يأتيه وهو لا يعرف أنه من الشرك فإما أن يقع فيه، وإما أنه لا ينكره كما ينكره الذي عرفه، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة؛ إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية» .
ولما ذكر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى - المخالف لمعنى لا إله لا الله ولما دلت عليه وتقتضيه ذكر منهم من عبد الله وحده ولم ينكر الشرك ولم يعاد أهله، ومنهم من عاداهم ولم يكفرهم، ومنهم من لم يحب التوحيد ولم يبغضه، ومنهم من لم يبغض الشرك ولم يحبه، ومنهم من لم يعرف الشرك ولم ينكره فلم ينفعه.
قال الشارح: ولا يكون موحداً إلا من نفى الشرك وتبرأ منه وممن فعله وكفرهم، وبالجهل بالشرك لا يحصل شيء مما دلت عليه لا إله إلا الله...إلخ.
فمن عرف أن الشرك الأكبر لا يغفره الله، وأن فاعله إذا مات على ذلك ولم يتب فإنه خالد مخلد في النار أبداً كما قال تعالى: ﴿ لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ﴾.
أوجب له شدة الخوف من هذا الذنب الذي هذا شأنه عند الله، كما خاف من ذلك الخليل على نفسه وبنيه، فدعا ربه أن يجنبه عبادة الأصنام، قال الله عز وجل: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ ﴾ فدعا الخليل إبراهيم -عليه وعلى نبينا الصلاة السلام- ربه أولاً بما يعينه على طاعة الله، وهو كون محل العبادة آمنا لا يخاف فيه إذ يتمكن فيه من عبادة الله تعالى، ثم دعاه ثانياً بأن يجنب هو وبنوه عبادة الأصنام.
هذا الدعاء من الخليل عليه السلام يدل على شدة خوفه على نفسه ومن دونه أن يعبد الأصنام، فعلينا أن نتأسى بإبراهيم نبي الله ورسوله في الخوف من الشرك وطلب حسن الخاتمة، فقد كرر الخليل عليه السلام الدعاء وذكر السبب في طلبه أن يجنب هو وبنوه عبادة الأصنام بقوله: ﴿ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ ﴾ إذا قد شاهد أباه وقومه يعبدون الأصنام، ومعنى أضللن أي كن سبباً لإضلال كثير من الناس، والمعنى أنهم ضلوا بعبادتها كما يقال: فتنتهم الدنيا، أي افتتنوا بها واغتروا بسببها.
فالشرك أظلم الظلم، وأبطل الباطل، فهو هضم للربوبية وتنقص للإلوهية وسوء ظن برب العالمين، وهو أقبح المعاصي؛ لأنه تسوية للمخلوق الناقض بالخالق الكامل سبحانه من جميع الوجوه، ولأنه مناقض للمقصود بالخلق والأمر مناف له من كل وجه وذلك غاية المعاندة لرب العالمين والاستكبار عن طاعته والذل له، والانقياد لأوامره الذي لا صلاح للعالم إلا بذلك، فمتى خلا منه خرب وقامت القيامة كما قال صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله» [رواه مسلم].
فالشرك تشبيه المخلوق بالخالق تعالى وتقدس في خصائص الإلهية كم ملك الضر والنفع، والعطاء والمنع، الذي يوجب تعلق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل وأنواع العبادة كلها بالله وحده.
فمن علق ذلك لمخلوق فقد شبهه بالخالق، وجعل من لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشورا فضلاً عن غيره شبيهاً بمن له الخلق كله، وله الملك كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، فأَزِمَّة الأمور كلها بيديه، ومرجعها إليه، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، الذي إذا فتح للناس رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم.
فأقبح التشبيه تشبيه العاجز الفقير بالذات بالقادر الغني بالذات.
ومن خصائص الإله جلا وعلا الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده، والتعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة، والتوكل والتوبة والاستعانة، وغاية الحب مع غاية الذل، كل ذلك يجب عقلاً وشرعاً وفطرة أن يكون لله وحده، ويمتنع عقلاً وشرعاً وفطرة أن يكون لغيره، فمن فعل شيئاً من ذلك لغيره فقد شبه ذلك الغير بمن لا ند له، وذلك أقبح التشبيه وأبطله، فلهذه الأمور وغيرها أخبر سبحانه أنه لا يغفره مع أنه كتب على نفسه الرحمة. قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمَاً عَظِيماً ﴾.
وقال تعالى: ﴿ ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ َتَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾.
هذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين به العابدين معه غيره، الجاعلين له شركاء، وهم مع ذلك معترفون أن شركاءه من الأصنام والأنداد عبيد له ملك له كما كانوا يقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك، فقال الله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ أي: تشهدونه وتفهمونه من أنفسكم ﴿ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ﴾ أي: يرضى أحدكم أن يكون عبده شريكاً له في ماله فهو وهو فيه على السواء ﴿َتَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: تخافون أن يقاسموكم الأموال.
قال أبو مجلز: إن مملوكك لا تخاف أن يقاسمك مالك وليس له ذاك كذلك الله لا شريك له، والمعنى أن أحدكم يأنف من ذلك، فكيف تجعلون لله الأنداد من خلقه ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾.
فأهل العقول يعرفون قبح الشرك؛ لأنه تسوية للمالك بالمملوك، والخالق بالمخلوق، هذا إذا لم يتلطخ العقل بشعب الكفر والشرك والنفاق، ولم يتدنس بدنس الذنوب والسيئات، ولم يختل بأمراض الشبهات والشهوات، فإنه يدل صاحبه على فطرة الله التي فطر الناس عليها وهي الملة الحنيفية ملة إبراهيم ودين محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
فمثلاً لو أن ملكاً من الملوك في الدنيا أتاه مظلوم من رعاياه فدعاه مع عبد مملوك له في أخذ مظلمته مثل أن يقول: يا أيها الملك، ويا أيها المملوك، خذا مظلمتي من هذا؟ لكان ذلك من الخطأ والقبيح الذي ينكره كل ذو عقل سليم؛ لأنه دعا الملك مع مملوكه جميعاً وشاركه معه في حكمه وأمره.
فإذا كانت دعوة الملك مع مملوكه جميعاً في قضاء الحاجة خطأ وقبيحا، وهم من بني آدم إلا أن الله تعالى جعل المملوك تحت الملك، فكيف بالأحد الصمد الحي القيوم، الذي ليس كمثله شيء يدعى مع عبده المخلوق الضعيف العاجز، الذي لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعاً حياً كان أو ميتاً، كأن يقول: «يا الله يا عيدروس» أو «يا الله يا حسين» أو «يا الله يا رسول الله» وقد أعلمنا الله تعالى أن هذا من الكفر بالله تعالى، فقال تعالى: ﴿ وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكَافِرُونَ ﴾.
ومثال آخر لو أن غنياً كريمًا ينفق من أصناف المال سراً وجهراً، وعنده مملوك لا يقدر على شيء لا لنفسه ولا لغيره، فجاء محتاج وطلب حاجته من العبد وترك الغني الكريم، هل يجوزه العقل، لا بل يستنكره ويستقبحه؛ فإذا كان هذا يستقبح أن يفعله مع الغني الكريم وعبده وهم من بني آدم فكيف برب البرايا والعالمين مالك الملك والملكوت يترك ويعرض عنه ويدعى من دونه المخلوق الضعيف؛ بل الموتى بل الأشجار والأحجار في كشف الكربات ودفع الملمات، وقد ذكر الله تعالى ذلك بقوله: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِراًّ وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (75) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾.
ولو أن أحداً من الناس مر على مقبرة ومعه دابة فوقعت دابته في حفرة من الحفر، وحوله رجل حي قوي فتركه ودعا أهل القبور فقال: يا أهل القبور، يا فلان، يا فلان؛ يعدد الموتى ساعدوني على دابتي، هل يجوزه العقل، لا بل ينكره ويستقبحه، وكل عاقل يوبخه على فعله هذا.
فإذا كان هذا يستقبح من مخلوق يترك مخلوقاً حياً فيما يقدر عليه، فكيف بمن يترك الحي القيوم، ويدعو في كشف الكربات ودفع الملمات أهل القبور، كأن يقول: يا عبد القادر الجيلاني، يا إبراهيم الدسوقي، يا أحمد البدوي، وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (19) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20)أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21)إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾.
فنسأل الله تعالى أن يهدينا ويرشدنا ويدلنا ويثبتنا على صراطه المستقيم ودينه القويم .
[/CELL][/TABLE]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2955


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


تقييم
1.01/10 (29 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.